الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              التاسع : في إثبات فضلها -رضي الله تعالى عنها- بأبيها صلى الله عليه وسلم وأقاربها أصلا وفرعا

                                                                                                                                                                                                                              روى الطبراني عن أبي أيوب -رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة : "نبينا خير الأنبياء ، وهو أبوك ، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك" الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال الصحيح عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت : "ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها صلى الله عليه وسلم" .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 47 ] العاشر : في أنها أصدق الناس لهجة

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت : ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة -رضي الله تعالى عنها- إلا أن يكون أباها صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو عمر عنها قالت : ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة من فاطمة -رضي الله تعالى عنها- إلا أن يكون الذي ولدها صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              الحادي عشر : في برها برسول الله صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو يعلى عن جابر -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق عليه ، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا ، فأتى فاطمة فقال : يا بنية ، هل عندك أكلة ، فإني جائع ، فقالت : لا والله ، بأبي أنت وأمي ، فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم ، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها ، وغطت عليها ، قالت : والله ، لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي ، وكانوا جميعا محتاجين إلى شعبة طعام ، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له : بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك ، قال : "هلمي فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما ، فلما نظرت إليها بهتت ، وعرفت أنها بركة من الله ، فحمدت الله ، وصلت على نبيه ، وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما ، رآه حمد الله ، وقال : "من أين لك هذا يا بنية ؟ " فقالت : يا أبت ، هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ، ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته جميعا حتى شبعوا ، وبقيت الجفنة كما هي ، قالت : فأوسعت ببقيتها على جميع جيرانها ، وجعل الله فيه بركة وخيرا كثيرا .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني عشر : فيما كانت فيه من ضيق العيش وخدمتها نفسها -رضي الله تعالى عنها- مع استصحاب الصبر الجميل

                                                                                                                                                                                                                              روى الدولابي عن أسماء بنت عميس عن فاطمة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى برجال الصحيح وابن أبي شيبة عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال : قلت لأمي فاطمة بنت أسد -رضي الله تعالى عنها- اكفي بنت محمد صلى الله عليه وسلم سقاية الماء والذهاب في الحاجة ، وتكفيك خدمة الداخل الطحن والعجن .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال ثقات إلا عتبة بن حميد ، وثقه ابن حبان وضعفه جماعة ، عن عمران بن حصين قال : إني لجالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت فاطمة ، فقامت بحذاء النبي صلى الله عليه وسلم مقابلة فقال : "ادني يا فاطمة" ، فدنت دنوة ، ثم قال "ادني يا فاطمة" ، فدنت دنوة ، ثم قال : [ ص: 48 ] "ادني يا فاطمة" فدنت دنوة ، حتى قامت بين يديه ، قال عمران : فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها وذهب الدم ، فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ثم وضع كفه بين ترائبها فرفع رأسه قال : "اللهم ، مشبع الجوعة ، وقاضي الحاجة ، ورافع الوضعة ، لا تجع فاطمة بنت محمد" ، فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها ، وظهر الدم ، ثم سألتها بعد ذلك فقالت : ما جعت بعد ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد بسند جيد عن علي -رضي الله تعالى عنه- أنه قال لفاطمة -رضي الله تعالى عنها- ذات يوم : والله ، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري ، وقد جاء أبوك بسبي فاذهبي فاستخدميه ، فقالت : وأنا والله ، لقد طحنت حتى مجلت يداي ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "ما جاء بك أي بنية ؟ " قالت : جئت لأسلم عليك ، واستحيت أن تسأله ورجعت ، فقال : ما فعلت ؟ قالت : استحييت أن أسأله ، فأتيا جميعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال علي : يا رسول الله ، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري ، وقالت فاطمة : يا رسول الله ، لقد طحنت حتى مجلت يداي ، وقد جاءك الله بسبي وسعة ، فأخدمنا ، فقال : لا ، والله ، لا أعطيكم ، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ، لا أجد ما أنفق عليهم ، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم فرجع . فأتاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما ، وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما ، فتأثر ، فقال : مكانكما ، ثم قال : "ألا أخبركما بخير مما سألتماني" ، قالا : بلى ، قال : "كلمات علمنيهن جبريل ، فقال : تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا ، وتحمدان عشرا ، وتكبران عشرا ، فإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين" .

                                                                                                                                                                                                                              [قال : فوالله ، ما تركتهن منذ سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فقال له ابن الكوا : ولا ليلة صفين ، فقال : قاتلكم الله يا أهل العراق ولا ليلة صفين .


                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني بسند حسن عن فاطمة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاها يوما فقال : "أين ابناي ؟ " يعني : حسنا وحسينا ، قالت : أصبحنا وليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق ، فقال علي : أذهب بهما؛ فإني أتخوف أن يبكيا عليك وليس عندك شيء ، فذهب إلى فلان اليهودي ، فتوجه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما يلعبان في شربة ، بين أيديهما فضل من تمر ، فقال : "يا علي! ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر ؟ " قال علي : أصبحنا وليس في بيتنا شيء ، فلو جلست يا رسول الله ، حتى أجمع لفاطمة شيئا من التمر ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اجتمع لفاطمة شيء من التمر ، فجعله في صرته ثم أقبل ، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما وعلي الآخر ، حتى أقلبهما .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 49 ] وروى الإمام أحمد عن أنس -رضي الله تعالى عنه- أن بلالا -رضي الله تعالى عنه- أبطأ عن صلاة الصبح ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حبسك ؟ قال : مررت بالسيدة فاطمة ، وهي تطحن ، والصبي يبكي ، فقلت : إن شئت كفيتك الرحا وكفيتيني الصبي ، وإن شئت كفيتك الصبي ، وكفيتيني الرحا ، فقالت : أنا أرفق بابني منك ، فذاك الذي حبسني ، فقال : رحمتها ، رحمك الله .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية