الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الثالث : في شهوده مع النبي -صلى الله عليه وسلم- العقبة وهو على دين قومه

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن إسحاق وابن قتيبة وابن سعد وأبو عمرو- رحمهم الله تعالى- جاء قوم من أهل العقبة يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لهم : في بيت العباس ، فدخلوا عليه ، فقال العباس : إن معكم من قومكم من هو مخالف لكم ، فاخفوا أمركم حتى يتصدع هذا الحاج ، ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم هذا الأمر ، فتدخلون فيه على أمر بين ، فوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة التي سفر صبيحتها عن النفر الآخران أسفل العقبة ، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا ، فخرج القوم تلك الليلة يتسللون ، وقد سبقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه العباس وليس معه غيره ، وكان يثق به في أمره كله ، فلما اجتمعوا كان أول من تكلم العباس بكلام فيه طول وبلاغة ، فقال البراء بن معرور : قد سمعنا ما قلت ، أما والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه ، لكن نريد الوفاء والصدق ، ونبذل مهج أنفسنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يؤكد له البيعة تلك الليلة على الأنصار .

                                                                                                                                                                                                                              وفي رواية الشعبي -رضي الله تعالى عنه- قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم إلى السبعين الذين أسلموا وبايعوا عند العقبة تحت الشجرة ، والعباس معه . فذكره . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : في سروره -رضي الله تعالى عنه- بفتح خيبر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسلامته ، وشدة حزنه حين بلغه خلاف ذلك

                                                                                                                                                                                                                              [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : "لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج بن علاط : يا رسول الله ، إن لي بمكة مالا ، وإن لي بها أهلا ، وإني أريد أن آتيهم ، فأنا في حل إن نلت منك أو قلت شيئا ؟ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء ، فأتى إلى امرأته حين قدم ، فقال : اجمعي لي ما كان عندك فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه ، فإنهم [ ص: 97 ] قد استبيحوا وأصيبت أموالهم . قال : وفشا ذلك بمكة فأوجع المسلمين ، وأظهر المشركون فرحا وسرورا ، فبلغ العباس بن عبد المطلب فعقر في مجلسه ، وجعل لا يستطيع أن يقوم .

                                                                                                                                                                                                                              قال معمر : فأخبرني الجزري عن مقسم قال : فأخذ العباس ابنا له يقال له : قثم ، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستلقى ، فوضعه على صدره وهو يقول :


                                                                                                                                                                                                                              حبي قثم شبيه ذي الأنف الأشم نبي ذي النعم برغم من رغم



                                                                                                                                                                                                                              قال معمر : قال ثابت عن أنس : ثم أرسل غلاما له إلى الحجاج بن علاط : ويلك ما جئت به وماذا تقول ؟ فما وعد الله خير مما جئت به . قال الحجاج لغلامه : اقرأ أبا الفضل السلام ، وقل له : فليخل لي بعض بيوته لآتيه؛ فإن الخبر على ما يسره ، فجاء غلامه ، فلما بلغ الباب قال : أبشر يا أبا الفضل؛ فإن الخبر على ما يسرك ، فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه ، ثم جاء العباس فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر ، وغنم أموالهم ، وجرت سهام الله في أموالهم ، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي فأخذها لنفسه ، وخيرها بين أن يعتقها فتكون زوجته أو تلحق بأهلها ، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته ، ولكني جئت لمال لي ها هنا أردت أن أجمعه وأذهب ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت ، فأخف عني ثلاثا ، ثم اذكر ما بدا لك .

                                                                                                                                                                                                                              قال : فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع جمعته فدفعته إليه ، ثم استمر ، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال : ما فعل زوجك ؟ فأخبرته أنه قد ذهب ، وقالت : لا يحزنك الله أبا الفضل ، لقد شق علينا الذي بلغك . قال : أجل لا يحزنني الله ، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا ، وقد أخبرني الحجاج أن الله قد فتح خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجرت سهام الله فيها ، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه ، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به . قالت : أظنك والله صادقا . قال : فإني صادق ، والأمر على ما أخبرتك . قال : ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون : لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل .

                                                                                                                                                                                                                              قال : لم يصبني إلا خير بحمد الله ، قد أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله على رسوله ، وجرت فيها سهام الله ، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه ، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثا ، وإنما جاء ليأخذ مالا كان له ثم يذهب ، قال : فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين ، وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئبا حتى أتوا العباس ، فأخبرهم الخبر ، فسر المسلمون ورد الله ما كان من كآبة أو غيظ أو خزي على المشركين"] .


                                                                                                                                                                                                                              الخامس : في ألم النبي -صلى الله عليه وسلم- لألم العباس لما شدوا وثاقه في الأسر

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن عمر وابن الجوزي عن سويد بن الأصم ، قال العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم لما أسر [ ص: 98 ] بات النبي صلى الله عليه وسلم ساهرا تلك الليلة ، فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا رسول الله ؟ قال : أنين العباس ، فقام رجل فأرخى وثاقه شيئا ، قال : فافعل ذلك بالأسارى كلهم ، كل ذلك رعاية للعدل ومحافظة على الإحسان المأمور به في قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان [النحل : 90] .

                                                                                                                                                                                                                              السادس : في إسلام العباس

                                                                                                                                                                                                                              قال أهل العلم بالتاريخ : كان إسلام العباس -رضي الله تعالى عنه- قديما ، وكان يكتم إسلامه ، وخرج مع المشركين يوم بدر مكرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من لقي العباس فلا يقتله؛ فإنه خرج مستكرها" فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو ، ففادى نفسه ورجع إلى مكة ، ثم أقبل إلى المدينة مهاجرا . رواه أبو سعد .

                                                                                                                                                                                                                              قيل : أسلم يوم بدر واستقبل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بالإبراء ، وكان معه يوم فتح مكة ، وبه ختمت الهجرة ، قال أبو عمرو : أسلم قبل فتح خيبر ، وكان يكتم إسلامه ، ويسره ما فتح الله -عز وجل- على المسلمين ، وأظهر إسلامه يوم فتح مكة ، وشهد حنينا والطائف وتبوك .

                                                                                                                                                                                                                              ويقال : كان إسلامه -رضي الله تعالى عنه- قبل بدر ، وكان -رضي الله تعالى عنه- يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان المسلمون بمكة يقوون به ، وكان يحب القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن مقامك بمكة خير لك" .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو القاسم السهيلي عن شرحبيل بن سعد قال : لما بشر أبو رافع -رضي الله تعالى عنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام العباس بن عبد المطلب أعتقه .

                                                                                                                                                                                                                              السابع : في تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- للعباس ، ولطفه به

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو عمرو : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم العباس بعد إسلامه ويعظمه ويقول : "هذا عمي وصنو أبي" .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو القاسم البغوي عن هشام بن عروة عن أبيه قال : إن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت : يا ابن أخي لقد رأيت من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس أمرا عجبا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو القاسم السهمي عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وعثمان بين يديه ، وكان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا جاء العباس -رضي الله تعالى عنه- تنحى له أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- من مكانه فجلس فيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس لطفا بالعباس .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 99 ] وروي عن كريب مولى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجل العباس محل الوالد لولده ، خاصة خص الله -تعالى- بها العباس من دون الناس .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن أمه أم الفضل -رضي الله تعالى عنها- أن العباس -رضي الله تعالى عنه- أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليه ، وقبل ما بين عينيه ، ثم قال : "هو عمي فمن شاء فليباهي بعمه" ، قال العباس : بعض القول يا رسول الله ، قال : "ولم لا أقول وأنت عمي وبقية آبائي والعم والد" .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن حبان عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنهم- قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر جيشا إذ طلع العباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "العباس عم نبيكم أجود قريش كفا وأوصلها" .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية