الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2360 10 - حدثنا بشر بن محمد ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أعتق شقيصا من مملوكه فعليه خلاصه في ماله ، فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ، ثم استسعى غير مشقوق عليه .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله : " قوم المملوك قيمة عدل " .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله ) ، وهم سبعة : الأول : بشر ، بكسر الباء الموحدة ، وسكون الشين المعجمة ، ابن محمد أبو محمد مر في الوحي . الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : سعيد بن أبي عروبة ، بفتح العين المهملة ، وضم الراء ، وبالباء الموحدة ، واسمه مهران اليشكري . الرابع : قتادة بن دعامة . الخامس : النضر ، بفتح النون ، وسكون الضاد المعجمة ابن أنس بن مالك النجاري الأنصاري . السادس : بشير ، بفتح الباء الموحدة ، وكسر الشين المعجمة ابن نهيك ، بفتح النون ، وكسرها ، وبالكاف السلولي ، ويقال : السدوسي . السابع : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو وشيخه مروزيان ، والبقية بصريون ، وقال الخطيب : رواه يزيد بن هارون ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس بلفظ : من أعتق نصيبا له من عبد ، ولم يكن له مال استسعى العبد في ثمن رقبته غير مشقوق عليه . هكذا رواه يزيد قصر عن بعض الألفاظ التي ذكرها عبد الله بن بكر ، عن ابن أبي عروبة ، وقد رواه سعيد بن المبارك ، ويزيد بن زريع ، ومحمد بن بشر العبدي ، ويحيى القطان ، ومحمد بن أبي عدي ، فأحسنوا سياقه ، واستوفوا ألفاظه ، وكذلك رواه أبان بن يزيد ، وجرير بن حازم ، وموسى بن خلف ، عن قتادة . ، ورواه شعبة ، عن قتادة ، فلم يذكر استسعاء العبد ، وكذلك رواه روح بن عبادة ، ومعاذ بن هشام ، كلاهما عن هشام الدستوائي ، عن قتادة إلا أن معاذا لم يذكر في إسناده النضر ، إنما قال : عن قتادة ، عن بشير بن نهيك . ورواه محمد بن كثير العبدي ، عن همام ، عن قتادة ، وروى أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن يزيد المصري عن همام معنى ذلك ، إلا أنه زاد فيه ذكر الاستسعاء ، وجعله من قول قتادة ، وميزه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : وكان قتادة يقول : إن لم يكن له مال استسعى ، وفي لفظ عند الإسماعيلي أن رجلا أعتق شقصا من مملوكه فغرمه النبي صلى الله عليه وسلم بقية ثمنه . قال الإسماعيلي : إن كان الاستسعاء على ما يذهب إليه الكوفي منه فقد جمع بين حديثي ابن عمر ، وأبي هريرة ، وهما متدافعان ، وجعلهما صحيحين ، وهذا بعيد جدا ، والقول في ذلك أحد قولين : أحدهما : أن قوله : " استسعى العبد " ليس في الخبر المسند ، وإنما هو لقتادة ، فدرج في الخبر على ما رواه همام عن قتادة ، وإما أن يكون استسعاء العبد السيد يستسعيه في قومه غير مشقوق عليه أن العتق لم يكمل فيه ، فإنه لم يبين في الخبر من يستسعيه ، وتبين أن العتق لم ينفذ فيه فصار سيده هو الذي يستسعيه . ( قلت ) : أبو هريرة روى هذا الحديث ، كما رواه ابن عمر ، وزاد عليه شيئا بين به كيف حكم ما بقي من العبد بعد نصيب المعتق ، كما هو مشروح فيه ، فكان هذا الحديث فيه ما في حديث ابن عمر ، وفيه وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسرا ، وسنزيد فيه عن قريب إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) رواه البخاري أيضا في العتق ، عن مسدد ، وعن أحمد بن أبي رجاء ، وفي الشركة أيضا عن أبي النعمان ، وأخرجه مسلم في العتق ، وفي النذور ، عن محمد بن موسى ، ومحمد بن بشار ، وفي النذور أيضا عن عبيد الله بن [ ص: 55 ] معاذ ، وفي العتق أيضا عن علي بن خشرم ، وفي النذور أيضا عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم ، وفيهما أيضا عن عمرو الناقد ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وفي العتق أيضا عن هارون بن عبد الله ، وأخرجه أبو داود في العتق ، عن مسلم بن إبراهيم ، وعن محمد بن المثنى ، وعن محمد بن كثير ، وعن أحمد بن علي ، وعن محمد بن المثنى ، عن معاذ ، ولم يذكر النضر بن أنس في إسناده ، وعن نصر بن علي ، وعن علي بن عبد الله ، وعن محمد بن بشار . وفي حديث أبان وابن أبي عروبة ذكر الاستسعاء ، وأخرجه الترمذي في الأحكام عن علي بن خشرم به ، وعن محمد بن بشار ، وفيه ذكر الاستسعاء ، قال : ورواه شعبة عن قتادة ، ولم يذكر فيه أمر السعاية . وأخرجه النسائي في العتق ، عن محمد بن المثنى ، وعن محمد بن بشار ، وعن هناد ، وعن نصر بن علي ، وعن المؤمل بن هشام ، وعن محمد بن عبد الله . وفيه ذكر السعاية ، وعن محمد بن المثنى ، ومحمد بن إسماعيل ، ولم يذكر النضر بن أنس في إسناده ، ولا قصة الاستسعاء ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام ، عن أبي بكر بن أبي شيبة به .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر بيان ما في حديثي أبي هريرة وابن عمر المذكورين ) قد ذكرنا عن قريب أن في حديث أبي هريرة زيادة ، وهي وجوب السعاية على العبد إذا كان المعتق معسرا . فإن قلت : قال الخطابي : قوله : " استسعى غير مشقوق عليه " لا يثبته أهل النقل مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويزعمون أنه من قول قتادة ، وقد تأوله بعض الناس ، فقال : معنى السعاية أن يستسعى العبد لسيده ، أي : يستخدم ، وكذلك معنى قوله : " غير مشقوق عليه " ، أي : لا يحمل فوق ما يلزمه من الخدمة إلا بقدر ما فيه من الرق ، ولا يطالب بأكثر منه ، وأيضا لم يذكر ابن أبي عروبة بالسعاية في روايته عن قتادة ، وفيه اضطراب ، فدل على أنه ليس من متن الحديث عنده ، وإنما هو من كلام قتادة ، ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر ، وقال أبو عمر بن عبد البر : روى أبو هريرة هذا الحديث على خلاف ما رواه ابن عمر ، واختلف في حديثه ، وهو حديث يدور على قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة . واختلف أصحاب قتادة عليه في الاستسعاء ، وهو الموضع المخالف لحديث ابن عمر من رواية مالك وغيره ، واتفق شعبة وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث ، والقول قولهم في قتادة عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم ، وأصحاب قتادة الذين هم حجة ، فيه هؤلاء الثلاثة فإن اتفق هؤلاء الثلاثة لم يعرج على من خالفهم في قتادة ، وإن اختلفوا نظر ، فإن اتفق منهم اثنان ، وانفرد واحد فالقول قول الاثنين لا سيما إذا كان أحدهما شعبة ، وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة ; لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع ، وقد اتفق شعبة وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه ، وتابعهما همام ، وفي هذا تقوية لحديث ابن عمر ، وهو حديث مدني صحيح لا يقاس به غيره ، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب .

                                                                                                                                                                                  وقال البيهقي : ضعف الشافعي السعاية بوجوه . منها أن شعبة وهشاما روياه ، عن قتادة ، وليس فيه استسعاء ، وهما أحفظ ، ومنها أنه سمع بعض أهل العلم يقول : لو كان حديث سعيد منفردا لا يخالفه غيره ما كان ثابتا . ( قلت ) : تابع ابن أبي عروبة على روايته ، عن قتادة يحيى بن أبي صبيح ، رواه الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي عروبة ، ويحيى بن صبيح ، عن قتادة على ما رواه الطحاوي ، عن محمد بن النعمان ، عن الحميدي ، وهو شيخ البخاري ، عن سفيان بن عيينة شيخ الشافعي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، ويحيى بن صبيح ، بفتح الصاد الخراساني المقري ، كلاهما عن قتادة كذلك ، وقد ذكر البيهقي أيضا في سننه أن الحجاج ، وأبان ، وموسى بن خلف ، وجرير بن حازم ، رووه عن قتادة كذلك ، يعني ذكروا فيه الاستسعاء ، وإذا سكت شعبة ، وهشام عن الاستسعاء لم يكن ذلك حجة على ابن أبي عروبة ; لأنه ثقة قد زاد عليهما شيئا ، فالقول قوله ، كيف وقد وافقه على ذلك جماعة ، وقال ابن حزم : هذا خبر في غاية الصحة فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه ، وقد رواه عنه يزيد بن هارون ، وعيسى بن يونس ، وجماعة كثيرة ذكرهم صاحب ( التمهيد ) ، ولم يختلفوا عليه في أمر السعاية ، منهم عبدة بن سليمان ، وهو أثبت الناس سماعا من ابن أبي عروبة . وقال صاحب ( الاستذكار ) ، وممن رواه عنه كذلك روح بن عبادة ، ويزيد بن زريع ، وعلي بن مسهر ، ويحيى بن سعيد ، ومحمد بن بكر ، ويحيى بن أبي عدي ، ولو كان هذا الحديث غير ثابت ، كما زعمه الشافعي لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما . وقال شارح ( العمدة ) : الذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات على البعد ، ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليهم فيها مثل تلك التعللات .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 56 ] ( ذكر معناه ) . قوله : " شقيصا " ، بفتح الشين المعجمة ، وكسر القاف بمعنى الشقص ، وهو النصيب ، وقد ذكرنا أنهما لغتان بمعنى واحد كالنصيف والنصف . قوله : " فعليه خلاصه " ، أي : فعليه أداء قيمة الباقي من ماله ليتخلص من الرق . قوله : " قيمة عدل " قد مضى تفسيره . قوله : " غير مشقوق " ، أي : غير مكلف عليه في الاكتساب ، حاصله يكلف العبد بالاستسعاء قدر نصيب الشريك الآخر بلا تشديد فإذا دفعه إليه عتق ، ومعنى هذا الحديث مثل معنى حديث ابن عمر ، غير أن فيه زيادة هي الاستسعاء ، وثبت هذا عند الشيخين والترمذي أيضا ، وروى ابن عدي في ( الكامل ) من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : من أعتق شقصان من رقيق كان عليه أن يعتق نفسه ، فإن لم يكن له مال يستسعى العبد ، والله أعلم .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية