الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2326 31 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن زينب بنت أم سلمة ، أخبرته أن أمها أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم ، فقال : إنما أنا بشر ، وإنه يأتيني الخصم ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها ، أو فليتركها . .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فإنما هي قطعة من النار " .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله ) ، وهم سبعة : الأول : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي . الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . الثالث : صالح بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس : زينب بنت أم سلمة ، وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ، وكان اسمها برة ، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري . السابع : أمها أم سلمة ، واسمها هند بنت أبي أمية .

                                                                                                                                                                                  ذكر لطائف إسناده ، فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن التابعي ، وهم صالح على قول من قال : رأى عبد الله بن عمر ، والزهري ، وعروة ، وفيه رواية الصحابية عن الصحابية رضي الله تعالى عنهم .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الأحكام ، عن أبي اليمان ، وفي الشهادات والأحكام أيضا ، عن القعنبي ، عن مالك ، وفي ترك الحيل عن محمد بن كثير ، وأخرجه مسلم في القضاء ، عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن أبي كريب ، وعن عمرو الناقد ، وعن حرملة بن يحيى ، وعن عبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود في الأحكام مختصرا ، عن هارون بن إسحاق ، ولم يذكره المزي في ( الأطراف ) فكأنه غفل عنه .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) . قوله : " إنما أنا بشر " ، أي : لا أعلم الغيب ، وبواطن الأمور ، كما هو مقتضى الحالة البشرية ، وأنه إنما يحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر ، ولو شاء الله لأطلعه على باطن الأمور حتى يحكم باليقين لكن أمر الله أمته بالاقتداء به ، فأجرى أحكامه على الظاهر لتطيب نفوسهم للانقياد . قوله : " أبلغ من بعض " ، أي : أفصح ببيان حجته ، وقال الزجاج : بلغ الرجل يبلغ بلاغة ، وهو بليغ إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه ، وقال غيره : البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ ، وقيل : الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار ، وذكر ابن رشيق في ( العمدة ) ، ومن خطه فيما قيل البلاغة قليل يفهم ، وكثير لا يسأم ، وقال آخر : البلاغة إجاعة اللفظ ، وإشباع المعنى ، وقال آخر : البليغ أسهلهم لفظا ، وأحسنهم بديهة ، وقال خلف [ ص: 6 ] الأحمر : البلاغة لمحة دالة ، وقال الخليل : البلاغة كلمة تكشف عن البغية ، وقيل : الإيجاز من غير عجز ، والإطناب من غير خطأ ، وقيل : البلاغة معرفة الوصل والفصل ، وقيل : أن يدل أول الكلام على آخره ، وآخره على أوله ، وفي حديث أبي هريرة رواه ابن أبي شيبة : ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فمن قطعت له من حق أخيه قطعة ، فإنما أقطع له قطعة من النار ، واللحن بالتحريك . قال الخطابي الفطنة ، وقد لحن بالكسر يلحن لحنا بسكون الحاء الخطأ في الإعراب . قوله : " فأحسب " بالنصب عطف على قوله : " أن يكون أبلغ " ، وأدخل أن تشبيها للعل بعسى . قوله : " فمن قضيت " ، أي : حكمت له بحق مسلم إنما ذكر مسلما تغليبا أو اهتماما بحاله ، أو نظرا إلى لفظ بعضكم ، فإنه خطاب للمؤمنين . قوله : " قطعة من النار " ، أي : هو حرام مآله النار . قوله : " فليأخذها " ، أمر تهديد لا تخيير كقوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وكقوله : اعملوا ما شئتم

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دلالة على الحكم بالظاهر تشريفا للأمة ، وهو كقوله : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله " ، وقوله في حديث المتلاعنين : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ، وقال القرطبي : وقد روي في هذا : إنما أحكم بما أسمع ، و" إنما " للحصر ، فكأنه قال : لا أحكم إلا بما أسمع ، وقد اختلف في هذا ، فقال مالك في المشهور عنه : إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والشعبي ، وروي عن شريح ، وذهبت طائفة إلى أنه يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود ، وبه قال أبو ثور ، وهو أحد قولي الشافعي . وذهبت طائفة إلى التفريق ، فمنهم من قال : يقضي بعلمه بما سمعه في مجلس قضائه خاصة لا قبله ، ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بينة في الأموال بعلمه خاصة ، وهو قول الأوزاعي ، وجماعة من أصحاب مالك ، وحكوه عنه أيضا ، ومنهم من قال : يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره لا قبل قضائه ، ولا في غير مصره في الأموال خاصة ، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه ، أو في غيره لا قبل ولايته أو بعدها ، وبه قال أبو يوسف ، ومحمد ، وهو أحد قولي الشافعي ، قال : وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال ، والقذف خاصة ، ولم يشترط مجلس القضاء ، واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل ; لأن ذلك ضروري في حقه ، وقال المهلب : دل الحديث على أن القوي على البيان البليغ في تأدية الحجة يبلغ بالباطل ما يقضي له على خصمه ، وليس ذلك مما يحل له ما حرم الله عليه ، وهو معنى قوله تعالى : وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس وفيه دلالة أن البينة مسموعة بعد اليمين ، وهو الذي فهمه البخاري ، وبوب له بعد باب من أقام البينة بعد اليمين ، وفيه دلالة على حكمه صلى الله تعالى عليه وسلم بالاجتهاد . قال عياض : وهو قول المحققين ، قاله الخطابي ، وفيه دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبا ، وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا اجتهد ، وفيه العمل بالظن ، قال : فأحسب أنه صدق ، وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم ، وقال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال ، وإزالة ملك ، أو إثبات نكاح ، أو طلاق ، أو ما أشبه ذلك على ما حكم ، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان ، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم الظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبا شيئا من تمليك ، ولا تحليل ، ولا تحريم ، وممن قال ذلك أبو يوسف ، وخالفهم آخرون فقالوا : ما كان ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن ، وما كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة ، وباطنهم الجرحة فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم فإنه ينفذ ظاهرا ، وباطنا ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية