الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ الرَّازِيُّ: "الْوَجْهُ السَّادِسُ فِي الْعَالَمِ كُرَةٌ، فَإِنَّ الْكُسُوفَ الْقَمَرِيَّ يُرَى فِي الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَفِي الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ فِي آخِرِهِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِي جِهَةٍ فَوْقُ لَكَانَ أَسْفَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُكَّانِ الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ". وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَالَمَ كُرَةٌ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمُحِيطَ هُوَ الْأَعْلَى، وَإِنَّ الْمَرْكَزَ الَّذِي هُوَ جَوْفُ الْأَرْضِ هُوَ الْأَسْفَلُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ السَّمَاءَ عَالِيَةٌ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَالْأَرْضَ تَحْتَهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْجِهَاتِ قِسْمَانِ: حَقِيقِيَّةٌ، وَإِضَافِيَّةٌ. فَالْحَقِيقِيَّةُ جِهَتَانِ: وَهُمَا الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ، فَالْأَفْلَاكُ وَمَا فَوْقَهَا هُوَ الْعَالِي مُطْلَقًا، وَمَا فِي جَوْفِهَا هُوَ السَّافِلُ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الْإِضَافِيَّةُ فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَوَانِ، فَمَا حَاذَى رَأْسَهُ كَانَ فَوْقَهُ، وَمَا حَاذَى رِجْلَيْهِ كَانَ تَحْتَهُ، وَمَا حَاذَى جِهَتَهُ الْيُمْنَى كَانَ عَنْ يَمِينِهِ، وَمَا حَاذَى الْيُسْرَى كَانَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمَا كَانَ قُدَّامَهُ كَانَ أَمَامَهُ، وَمَا كَانَ خَلْفَهُ كَانَ وَرَاءَهُ. وَقَالُوا: هَذِهِ الْجِهَاتُ تَتَبَدَّلُ، فَإِنَّ مَا كَانَ عُلُوًّا لَهُ قَدْ يَصِيرُ سُفْلًا لَهُ، كَالسَّقْفِ مَثَلًا: يَكُونُ تَارَةً فَوْقَهُ، وَتَارَةً تَحْتَهُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِذَا عُلِّقَ رَجُلٌ جُعِلَتْ رِجْلَاهُ إِلَى السَّمَاءِ وَرَأْسُهُ إِلَى الْأَرْضِ، أَوْ مَشَتْ نَمْلَةٌ تَحْتَ سَقْفٍ: رِجْلَاهَا إِلَى السَّقْفِ، وَظَهْرُهَا إِلَى الْأَرْضِ، كَانَ هَذَا الْحَيَوَانُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، السَّمَاءُ فَوْقَهُ، وَالْأَرْضُ تَحْتَهُ، لَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ. وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إِلَى رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيُقَالُ: إِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فَوْقَهُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي الْأَفْلَاكِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ -هُمْ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ كُلُّهُمْ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ تَحْتَ بَعْضٍ، وَلَا هُمْ تَحْتَ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، أَيِ الَّذِينَ فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ لَيْسُوا تَحْتَ الَّذِينَ فِي نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فِي نَاحِيَةِ بُرْجِ السَّرَطَانِ لَيْسَ تَحْتَ مَنْ كَانَ فِي نَاحِيَةِ بُرْجِ الْعَقْرَبِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِ السَّمَاءِ تَلِي رُءُوسَنَا تَارَةً وَأَرْجُلَنَا أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ فَلَكُ الشَّمْسِ فَوْقَ الْقَمَرِ، وَكَذَلِكَ السَّحَابُ وَطَيْرُ الْهَوَاءِ، هُوَ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَتَحْتَ السَّمَاءِ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَلَا مَنْ فِي هَذَا الْجَانِبِ تَحْتَ مَنْ فِي هَذَا الْجَانِبِ، وَكَذَلِكَ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنَ الْجِبَالِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأَنَاسِيِّ وَغَيْرِهِمْ، هُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِ الْأَرْضِ فَوْقَهَا، وَهُمْ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَلَيْسَ أَهْلُ هَذِهِ النَّاحِيَةِ تَحْتَ أَهْلِ هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْهُمْ تَحْتَ الْأَرْضِ وَلَا فَوْقَ السَّمَاءِ أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ تَكُونُ السَّمَاءُ تَحْتَ الْأَرْضِ، أَوْ يَكُونُ مَنْ هُوَ فَوْقَ السَّمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ؟ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْهُمْ تَحْتَ الْأَرْضِ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ تَحْتَ الْأَرْضِ وَفَوْقَهَا، وَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَطَيْرِ الْهَوَاءِ وَحِيتَانِ الْمَاءِ وَدَوَابِّ الْأَرْضِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَتَحْتَ الْأَرْضِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ فَوْقَ مَا يُقَابِلُهُ وَتَحْتَهُ، وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ جَانِبَيِ السَّمَاءِ فَوْقَ الْآخَرِ وَتَحْتَ الْأَرْضِ وَأَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ -إِذَا كَانَ مُحِيطًا بِالْعَالَمِ- تَحْتَ السَّمَاءِ وَتَحْتَ الْأَرْضِ، مَعَ أَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ وَفَوْقَ الْأَرْضِ، وَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْجَنَّةُ تَحْتَ الْأَرْضِ وَتَحْتَ جَهَنَّمَ، مَعَ أَنَّهَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَفَوْقَ الْأَرْضِ وَفَوْقَ جَهَنَّمَ، وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ عِلِّيِّينَ تَحْتَ أَهْلِ سِجِّينٍ مَعَ أَنَّهُمْ فَوْقَهُمْ. فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ اللَّوَازِمُ وَأَمْثَالُهَا بَاطِلَةً، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالْإِيمَانِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْخَالِقِ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَكَانَ مَنِ احْتَجَّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ إِنَّمَا احْتَجَّ بِالْخَيَالِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ، مَعَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ مِنَ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ يَتَصَوَّرُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَهُوَ مُعَانِدٌ جَاحِدٌ مُحْتَجٌّ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَصَوَّرْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ، الَّتِي هِيَ مُوَافَقَةٌ لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهَا تُنَاقِضُ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ، فَهُوَ كَمَا قِيلَ: فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّا لَا نَأْخُذُ بِمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ، أَلَيْسَ مِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ أَنَّ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَالْهَوَاءَ فَوْقَ الْأَرْضِ وَالسَّحَابَ وَالطَّيْرَ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانَ وَالدَّوَابَّ وَالشَّجَرَ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَالْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَأَهْلَ عِلِّيِّينَ فَوْقَ أَهْلِ سِجِّينٍ، وَالْعَرْشَ أَعْلَى الْمَخْلُوقَاتِ؟ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ". وَهَذِهِ الْأُمُورُ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ، وَمَا لَمْ يَعْرِفْهُ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ فَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَحْتَ الْأَرْضِ وَسُكَّانِهَا، وَعِلْمُ الْعُقَلَاءِ بِذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ عِلْمِهِمْ بِكُرِيَّةِ الْأَفْلَاكِ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ مُعَارِضٌ لِهَذَا، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ؟! وَإِذَا كَانَتِ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي فِي الْأَفْلَاكِ وَالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَلْزَمْ مِنْ عُلُوِّهَا عَلَى مَا تَحْتَهَا أَنْ تَكُونَ تَحْتَ مَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْعَالَمِ، فَالْعَلِيُّ الْأَعْلَى -سُبْحَانَهُ- أَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ عُلُوِّهِ عَلَى الْعَالَمِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ شَيْءٍ مِنْهُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْحُجَّةُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ سَمْعِيَّةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَقْلِيَّةً. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَيْسَتْ سَمْعِيَّةً، وَلَوْ كَانَتْ سَمْعِيَّةً لَكَانَتِ السَّمْعِيَّاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنَصَّ وَأَكْثَرَ وَأَظْهَرَ عَلَى مَا لَا يَخْفَى عَلَى مُسْلِمٍ. وَإِنْ كَانَتْ عَقْلِيَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مُقَدِّمَاتِهَا بِالْعَقْلِ. وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا قَوْلَهُ: "فَإِنْ كَانَ اللَّهُ فِي جِهَةِ فَوْقَ لَكَانَ أَسْفَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُكَّانِ الْوَجْهِ الْآخَرِ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ". فَذَكَرَ مُقَدِّمَتَيْنِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِمَا: لُزُومُ كَوْنِهِ أَسْفَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَبُطْلَانِ هَذَا اللَّازِمِ. وَالْمُنَازِعُ يُنَازِعُ فِي كُلٍّ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، فَلَا يُسَلِّمُ لُزُومَ السُّفُولِ، وَإِنْ سَلَّمَ لُزُومَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ يَنْفِي بِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا يُوجِبُ النَّقْصَ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُثْبِتَ لَا يُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا نَقْصٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَفْلَاكَ مَوْصُوفَةٌ بِالْعُلُوِّ عَلَى الْأَرْضِ مَعَ لُزُومِ مَا ذَكَرَ مِنَ السُّفُولِ تَحْتَ سُكَّانِ الْوَجْهِ الْآخَرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْصًا فِيهَا؟ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يُوصَفُ بِالْعُلُوِّ عَلَى مَا تَحْتَهُ، مِثْلَ الْهَوَاءِ وَالسَّحَابِ وَالطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْجِبَالِ وَالْمَعْدِنِ، وَمِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجَنَّةِ وَالْعَرْشِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَخْلُوقَاتُ الْعَالِيَةُ أَشْرَفَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ السَّافِلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا السُّفُولِ الْإِضَافِيِّ مَانِعًا مِنْ هَذَا الشَّرَفِ وَالرُّتْبَةِ، وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ نَقْصًا -عُلِمَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَقْصٍ. فَإِنْ قِيلَ: النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى لَيْسَ فِيهَا حَيَوَانٌ وَنَبَاتٌ وَمَعَادِنُ وَجِبَالٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا مَاءٌ، وَكَذَلِكَ السَّحَابُ وَالْمَطَرُ قَدْ يَمْنَعُ كَوْنَهُ فِيهَا. قِيلَ: هَذَا لَا يَضُرُّنَا، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَوْقَ الْأَرْضِ مُطْلَقًا، وَعُلُوُّهَا عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهَا، وَإِنْ قُدِّرَ مَا تَخَيَّلُوهُ فِي السُّفُولِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قُدِّرَ هُنَاكَ مِثْلُ مَا فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَلَوْ كَانَ مَا هُنَاكَ سَافِلًا، لَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالسَّمَاوَاتُ إِذَا ظَهَرَتْ عَلَيْنَا تَحْتَ ذَلِكَ الْجَانِبِ مِنَ الْأَرْضِ، وَتَحْتَ مَا هُنَاكَ، وَلَزِمَ أَنَّهُ لَا تَزَالُ الْأَفْلَاكُ تَحْتَ الْكَوَاكِبِ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ هَؤُلَاءِ النُّفَاةَ يَعْتَمِدُونَ فِي إِبْطَالِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ، وَجَعَلَهُمْ مُضْطَرِّينَ إِلَيْهِ عِنْدَ قَصْدِهِ وَدُعَائِهِ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْبَرَاهِينَ الْعَقْلِيَّةَ الضَّرُورِيَّةَ، عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَعْتَمِدُونَ فِيهَا إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ خَيَالٍ وَوَهْمٍ بَاطِلٍ، مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِمُوجِبِ الْعَقْلِ، وَيَدْفَعُونَ مُوجِبَ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ. وَكُلُّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ يَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ الدَّائِرَةَ فِي الْفَلَكِ هِيَ بِاللَّيْلِ تَحْتَ الْأَرْضِ، هُوَ مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ الْفَاسِدِ، وَالْخَيَالِ الْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَارِجِ، فَيُرِيدُونَ بِهَذَا الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ الْفَاسِدِ أَنْ يُبْطِلُوا صَرِيحَ الْعَقْلِ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ فِي أَعْظَمِ الْأُصُولِ، وَيَحُولُوا بَيْنَ الْقُلُوبِ وَقَصْدِ خَالِقِهَا وَعِبَادَتِهِ بِمِثْلِ هَذَا الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ الْفَاسِدِ، الْمُلْتَبِسِ عَلَى مَنْ لَا يَفْهَمُ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى نَفْيِ النَّقْصِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّازِيُّ مُتَلَقِّيًا لَهُ عَنْ أَبِي الْمَعَالِي وَأَمْثَالِهِ، وَإِنَّمَا يَنْفُونَ النَّقْصَ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَعُمْدَتُهُمْ فِيهِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ عِنْدَهُ، وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ دُونَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعُلُوِّ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقُوَّةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَ عُلُوُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ ثَابِتًا بِالسَّمْعِ، كَانَ السَّمْعُ مُثْبِتًا لِمَا نَفَيْتُمُوهُ، لَا نَافِيًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ مَا يَنْفِي هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ سَمَّيْتُمُوهُ نَقْصًا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عُمْدَتُهُمُ الْإِجْمَاعُ، فَلَا إِجْمَاعَ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ، وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِإِجْمَاعٍ فِي مُعَارَضَةِ النُّصُوصِ الْخَبَرِيَّةِ بِلَا رَيْبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مُخَالَفَةِ النُّصُوصِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْخَبَرِيَّاتِ وَإِنَّمَا يَدَّعِيهِ مَنْ يَدَّعِيهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَسْتَدِلُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ النَّصَّ مَنْسُوخٌ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: إِذَا قَدَّرْنَا مَوْجُودَيْنِ أَحَدُهُمَا عَظِيمٌ كَبِيرٌ، أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحِيطَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَحْتَوِيَ عَلَيْهِ، وَآخَرُ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ وَأَعْظَمُ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: هَذِهِ الْعَظَمَةُ تَقْتَضِي، إِذَا كَانَ مُحِيطًا بِالْعَالَمِ، أَنْ يَكُونَ تَحْتَ شَيْءٍ مِنْهُ، كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ وَصْفَ ذَاكَ لَهُ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُحِيطُ بِشَيْءٍ، وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَظِيمٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَظِيمٍ كَبِيرٍ فِي نَفْسِهِ -أَعْظَمُ نَقْصًا مِنْ وَصْفِهِ بِإِحَاطَةِ مَا يَسْتَلْزِمُ إِحَاطَتَهُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّ الْعَالَمَ كُرَيٌّ، فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْعَالَمِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ بَعْضِهِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ كُلِّهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، فَأَمَّا إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْحَيَوَانُ وَالنَّبَاتُ وَالْمَعْدَنُ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْعَالَمِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، فَلَوْ فَرَضْنَا مَخْلُوقَيْنِ أَحَدُهُمَا مُدَوَّرٌ، وَالْآخَرُ فَوْقَ الْمُدَوَّرِ، لَيْسَ مُحِيطًا بِهِ، كَمَا يَجْعَلُ الْإِنْسَانُ تَحْتَ قَدَمِهِ حِمِّصَةً أَوْ بُنْدُقَةً، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الَّذِي فَوْقَ الْمُدَوَّرِ تَحْتَ الْمُدَوَّرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَإِذَا قِيلَ: الْمُحِيطُ بِالْمُدَوَّرِ، كَالْفَلَكِ التَّاسِعِ الْمُحِيطِ بِالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَالِي مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. قِيلَ: هُوَ الْعَالِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي جَوْفِ الْمُدَوَّرِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَ الْمُدَوَّرِ فَلَا، بَلِ الْمُحِيطُ وَمَا فِي جَوْفِهِ تَحْتَ ذَلِكَ الْفَوْقَانِيِّ مُطْلَقًا، كَمَا أَنَّ الْحِمِّصَةَ وَالْبُنْدُقَةَ تَحْتَ الرِّجْلِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَيْهَا. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَرْكَزَ الْفَلَكِ هُوَ السُّفْلُ الْمُطْلَقُ لِلْفَلَكِ، وَالْفَلَكُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَالٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا قُدِّرَ فَوْقَ الْفَلَكِ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْجَانِبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَنَامُ مَا هُوَ أَعْلَى مِنَ الْفَلَكِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ وَلَيْسَ مُحِيطًا بِهِ، وَلَا مَرْكَزَ الْعَالِ مَرْكَزًا لَهُ -امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَحْتَ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ هُوَ قَطْعًا فَوْقَ الْأَفْلَاكِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، وَلَيْسَ تَحْتَهَا مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ فَوْقَهَا لَا تَحْتَهَا. وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: هَذَا كَمَا لَا يُوصَفُ بِالسُّفُولِ، فَهُوَ لَا يُوصَفُ أَيْضًا بِالْعُلُوِّ، فَإِنَّ الْعَالِيَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمُحِيطُ، إِذًا لَيْسَ إِلَّا الْمُحِيطُ وَالْمَرْكَزُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا لَمْ يَكُنْ عَالِيًا. قِيلَ: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إِذَا كَانَ مُحِيطًا لَمْ يَكُنْ سَافِلًا أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَكُونُ عَالِيًا، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ هُوَ الظَّاهِرَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْبَاطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ، وَلَوْ أَدْلَى الْمُدْلِي بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلَيْهِ -كَانَ مُحِيطًا بِالْعَالَمِ عَالِيًا عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فَلَكًا وَلَا مُشَابِهًا لِلْفَلَكِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ تُحِيطُ قَبْضَتُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، وَلَيْسَ شَكْلُهَا شَكْلَ يَدِهِ، بَلْ وَلَا شَكْلُ يَدِهِ شَكْلُهَا. وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ سُئِلَ عَنْ كَوْنِ الرَّبِّ عَالِيًا مُحِيطًا بِالْعَالَمِ مُمْسِكًا لَهُ، فَقَالَ: بَعْضُ مَخْلُوقَاتِهِ كَالْبَاشَقِ مَثَلًا يَقْبِضُ بِيَدِهِ حِمِّصَةً، فَيَكُونُ فَوْقَهَا مُحِيطًا بِهَا مُمْسِكًا لَهَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَا يَمْتَنِعُ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا فِي حَقِّهِ؟ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ عَالٍ وَلَيْسَ بِمُحِيطٍ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَرْكَزٌ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَرْكَزُ الْعَالَمِ مَرْكَزًا لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَرْكَزُ هُوَ السُّفْلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْعَالِي هُوَ الْمُحِيطُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، بَلْ ذَلِكَ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي الْمُحِيطِ وَالْمُحَاطِ بِهِ، فَالْمَرْكَزُ مِنَ الْمُحِيطِ كَالنُّقْطَةِ مِنَ الدَّائِرَةِ، فَإِذَا قُدِّرَ مَا لَيْسَ بِدَائِرَةٍ وَلَا هُوَ كُرَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْكَزٌ كَنُقْطَةِ الدَّائِرَةِ. وَلِهَذَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ لَيْسَتْ مُحِيطَةً بِالْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَرْكَزٌ، مَعَ تَقْدِيرِ الْكُرَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ نُقْطَةٍ فِي وَسَطِهَا هُوَ الْمَرْكَزُ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُسْتَدِيرٍ وَلَا هُوَ كُرَةٍ فَلَيْسَ مَرْكَزُ الْكُرَةِ -وَهُوَ النُّقْطَةُ الَّتِي وَسَطَهَا- مَرْكَزًا لَهُ، سَوَاءٌ جُعِلَ فَوْقَ الْمُسْتَدِيرِ أَوْ تَحْتَهُ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ فَوْقَ الْمُسْتَدِيرِ وَتَحْتَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَدِيرًا، وَلَا يَكُونُ مَعَ هَذَا مُشَارِكًا لِلْمُسْتَدِيرِ فِي أَنَّ النُّقْطَةَ الَّتِي هِيَ الْمُحِيطَةُ مَرْكَزٌ لَهُ، بَلِ الْمَرْكَزُ نِسْبَتُهُ إِلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْمُحِيطِ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَتْ نِسْبَتُهُ إِلَى مَا فَوْقَ الْمُحِيطِ أَوْ تَحْتَهُ -إِذَا قُدِّرَ أَنَّ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَوْ تَحْتَهُ شَيْءٌ لَيْسَ بِمُسْتَدِيرٍ- نِسْبَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَكُونُ الْمَرْكَزُ مَعَ الْمُحِيطِ تَحْتَ هَذَا الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَدِيرٍ، كَمَا قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ شَيْءٍ آخَرَ، فَالْمَرْكَزُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحِيطِ تَحْتَهُ، وَالْمُحِيطِ فَوْقَهُ. وَأَمَّا مَا يُقَدَّرُ فَوْقَ الْمُحِيطِ فَهُوَ عَالٍ عَلَى الْجَمِيعِ قَطْعًا، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْمُحِيطِ، فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ الْهَوَاءَ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَالسَّمَاءَ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُ السَّمَاءِ مُحِيطَةً بِالْأَرْضِ، بَلِ الْإِحَاطَةُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا مُنَاقِضَةٌ لِلْعُلُوِّ، لَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ الْعِلْمَ بِالْعُلُوِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا، وَلَا إِنَّ الْعُلُوَّ مَشْرُوطٌ بِهَا، فَإِنَّ الطَّيْرَ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مُحِيطًا بِهَا، وَالسَّحَابَ فَوْقَ الْأَرْضِ وَلَيْسَ مُحِيطًا بِهَا، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْفَلَكِ هُوَ فَوْقَ الْأَرْضِ وَلَيْسَ مُحِيطًا بِهَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعُلُوَّ مَعْنًى مَعْقُولٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِحَاطَةُ، وَإِنْ كَانَتِ الْإِحَاطَةُ لَا تُنَاقِضُهُ. وَهَؤُلَاءِ النُّفَاةُ حَائِرُونَ: تَارَةً يَجْعَلُونَ الْإِحَاطَةَ مُنَاقِضَةً لِلْعُلُوِّ، وَتَارَةً يَجْعَلُونَهَا شَرْطًا فِي الْعُلُوِّ لَازِمَةً لَهُ. وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا خَطَأَهُمْ فِي هَذَا وَهَذَا، فَلَا هِيَ مُنَاقِضَةٌ لَهُ، وَلَا هِيَ مُنَافِيَةٌ لَهُ. وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ السَّمَاءَ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَالسَّحَابَ فَوْقَ الْأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ يَخْطُرَ بِقُلُوبِهِمْ أَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَالَمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مُحِيطٌ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ عِلْمَهُمْ بِأَنَّهُ فَوْقَهُ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ عَالِيًا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مُحِيطٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْإِحَاطَةُ شَرْطًا فِي الْعِلْمِ، امْتَنَعَ الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ دُونَ شَرْطِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الْأَفْلَاكُ عَالِيَةً مُحِيطَةً، كَانَتِ الْإِحَاطَةُ وَالْعُلُوُّ مُتَلَازِمَيْنِ فِي هَذَا -مُحَالٌ، فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ كُلَّ عَالٍ فَهُوَ مُحِيطٌ، كَانَ الْعُلُوُّ وَالْإِحَاطَةُ مُتَلَازِمَيْنِ، وَإِنْ قُدِّرَ وُجُودُ مَوْجُودٍ عَالٍ لَيْسَ بِمُحِيطٍ، لَمْ تَكُنِ الْإِحَاطَةُ لَازِمَةً لِلْعُلُوِّ. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ عَالِيًا لَيْسَ بِمُحِيطٍ فَهُوَ عَالٍ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَالِيًا مُحِيطًا فَهُوَ عَالٍ، فَثَبَتَ عُلُوُّهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْقُولًا فِي مَخْلُوقَيْنِ، فَفِي الْخَالِقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية