الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الجواب الثالث: أن يقال لهذا النافي للمباينة والمداخلة: أنت تصفه بأنه موجود قائم بنفسه، قديم حي عليم قدير، وأنت لا تعرف موجودا هو كذلك إلا جسما. فلا بد من أحد الأمرين: إما أن تقول: هو موجود حي عليم قديم وليس بجسم، فيقال لك: وهو أيضا له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم، ويقال لك: هو مباين للعالم، عال عليه، وليس بجسم.

وإن قلت: يلزم من كونه مباينا للعالم عاليا عليه، أن يكون جسما؛ لأني لا أعقل المباينة والمحايثة إلا من صفات الأجسام.

قيل لك: ويلزم من كونه حيا عليما قديرا أن يكون جسما، لأنك لا تعقل موجودا حيا عليما قديرا إلا جسما، فهذا نظير هذا، فما تقوله في أحدهما يلزمك نظيره في الآخر، وإلا كنت متناقضا مفرقا بين المتماثلين.

وإما أن تقول: أنا أقول: إنه موجود قائم بنفسه حي عليم قدير، لأن ذلك قد علم بالشرع والعقل، وإن لزم أن يكون جسما التزمته، لأن لازم الحق حق.

قيل لك: وهكذا يقول من يقول: إنه فوق العالم مباين له: أنا أصفه بذلك، لأنه قد ثبت ذلك بالشرع والعقل، وإذا لزم من ذلك أن يكون جسما التزمته، لأن لازم الحق حق.

[ ص: 131 ] وإما أن تقول: أنا لا أعرف لفظ الجسم، أو تقول: لفظ الجسم فيه إجمال وإبهام، فإذا عنيت به الجسم المعروف في اللغة، وهو بدن الإنسان، لم أسلم أني لا أعلم موجودا حيا عالما قادرا، إلا ما كان مثل بدن الإنسان، فإن الروح هي أيضا حية عالمة قادرة، وليست من جنس البدن، وكذلك الملك وغيره.

وإن عنيت بالجسم أنه يقبل التفريق والتجزئة والتبعيض، بحيث ينفصل بعضه عن بعض بالفعل.

قيل: أنا أتصور موجودا عالما قادرا قبل أن أعلم أنه يمكن تفريقه وتبعيضه، فلا يلزم من تصوري للموجود الحي العالم القادر أن يكون قابلا لهذا التفريق والتبعيض.

وإن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كل ما لا يمكن أن يشار إليه، لا يكون موجودا.

وإن عنيت بالجسم أنه مركب من الجواهر المنفردة الحسية، أو من المادة والصورة اللذين يجعلان جوهرين عقليين، فأنا ليس عندي شيء من الأجسام كذلك، فضلا عن أن يقدر مثل ذلك، فإذا كنت نافيا لذلك في المخلوقات البسيطة، فتنزيه رب العالمين عن ذلك أولى.

وإن عنيت بالتبعيض أنه يمكن أن يرى منه شيء دون شيء، كما قال ابن عباس وعكرمة وغيرهما من السلف ما يوافق ذلك، لم أسلم لك أن هذا ممتنع.

[ ص: 132 ] وإن عنيت بالجسم أنه يماثل شيئا من المخلوقات لم نسلم الملازمة.

فأي شيء أجبت به الملحدة من هذه الأجوبة، قال لك المثبت لمباينته للعالم وعلوه عليه مثل ما قلت أنت لهؤلاء الملاحدة.

قال ما تعني بقولك: لو كان عاليا على العالم مباينا له كان جسما؟ إن عنيت أنه بدن، لم نسلم لك الملازمة.

وإن عنيت أنه يقبل التفريق والتبعيض فكذلك.

وإن عنيت أنه مركب من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة لم نسلم الملازمة أيضا.

وإن عنيت شيئا أنه يكون مماثلا لشيء من المخلوقات لم نسلم الملازمة.

وإن عنيت أنه يشار إليه أو أنه يرى منه شيء دون شيء منع انتفاء اللازم.

التالي السابق


الخدمات العلمية