الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقوله: "إن الخيال يتخيله مع تلك العوارض لا يقدر على [ ص: 35 ] تجريده المطلق عنها، لكنه يجردها عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس، وأما العقل فيقدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتا إياها، حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا".

فقد يعترض على ذلك بأن يقال: إنه يقتضي أن تجريد الخيال الكلي من جنس تجريد العقل،
فإن ما يتخيله المختال هو مثال المحسوس المعين، فلم يجرد منه معنى كلي أصلا، لكن إن ارتسم فيه صورة تشاكله، كما ترتسم في الحائط صورة تشاكل الصورة المعينة، ثم قد يتخيل المعين بجميع صفاته، وقد يتخيل بعضها دون بعض، وقد يتصور عينه مع مغيب صورة بدنه - كان المتصور حقيقته المعينة، كالروح دون الإنسانية المطلقة.

وأما العقل فقد يراد به عقل الصورة المعينة، فهو من جهة كونه تصورا معينا من جنس التخيل، ومن جهة كونه لا يختص بشكل معين من جنس تصور العقل.

وقد يراد بالعقل تصور الكلي المطلق، كتصور الإنسان المطلق، وجوابه أن الإنسان المطلق قد يتخيل مطلقا، والبهائم لها تخيل كلي، ولهذا إذا رأت الشعير حنت إليه، ولولا أن في خيالها صورة مطلقة مطابقة لهذا الشعير وهذا الشعير، لم تطلب هذا المعين حتى تذوقه، [ ص: 36 ] فطلبها له إذا رأته يقتضي أنها أدركت أن هذا مثل الأول، وإنما تدرك التماثل إذا كان في النفس صورة تطابق المتماثلين يعتبر بها تماثلهما.

لكن يقال: فحينئذ لا فرق بين التخيل والتعقل من جهة كون كل منهما يكون معينا ويكون مطلقا، وكل منهما ليس عين ما فيه هو عين الموجود في العقل بل مثاله.

فقوله: "حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا".

تحقيقه أن المحسوس لم يعمل به شيء أصلا، ولا فيه معقول أصلا، بل العقل تمثل معقولا يطابق المحسوس وأمثاله.

التالي السابق


الخدمات العلمية