الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 204 ] قال ( وإذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئا فتكفل عنه رجل للغرماء لم تصح عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا : تصح ) لأنه كفل بدين ثابت لأنه وجب لحق الطالب ، ولم يوجد المسقط ولهذا يبقى في حق أحكام الآخرة ، ولو تبرع به إنسان يصح ، وكذا يبقى إذا كان به كفيل أو مال . وله أنه كفل بدين ساقط [ ص: 205 ] لأن الدين هو الفعل حقيقة ولهذا يوصف بالوجوب . لكنه في الحكم مال لأنه يئول إليه في المآل وقد عجز بنفسه وبخلفه ففات عاقبة الاستيفاء فيسقط ضرورة ، والتبرع لا يعتمد قيام الدين ، [ ص: 206 ] وإذا كان به كفيل أو له مال فخلفه أو الإفضاء إلى الأداء باق .

التالي السابق


( قوله وإذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئا ) بل مات مفلسا ( فتكفل رجل للغرماء بما عليه لا تصح عند أبي حنيفة رحمه الله . وقال أبو يوسف ومحمد ) والأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم ( تصح لأنه كفل بدين ثابت ) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم { الزعيم غارم } ولما روي { أنه صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة أنصاري فقال : هل على صاحبكم دين ؟ فقالوا : نعم درهمان أو ديناران ، فقال : صلوا على صاحبكم ، فقام أبو قتادة وقال : هما علي فصلى صلى الله عليه وسلم } فلو لم تصح الكفالة عن الميت المفلس لما صلى عليه بعد الكفالة ، ولأنه كفل بدين ثابت ( لأنه ) أي الدين ( وجب ) في حياته ( لحق الطالب ) وهو باق ( ولم يوجد المسقط ) وهو الأداء أو الإبراء أو انفساخ سبب وجوبه ولم يتحقق بالموت شيء من ذلك ، ويدل على بقائه كونه يطالب به في الآخرة ( و ) أنه ( لو تبرع به إنسان جاز ) أخذ الطالب منه ولو سقط بالموت ما حل له أخذه ، وأنه لو كان به كفيل قبل موته بقيت الكفالة ، ولو بطل الدين بطلت الكفالة لسقوطه عن الكفيل بسقوطه عن الأصيل ( ولأبي حنيفة رحمه الله أنه كفل بدين ساقط ) في حكم الدنيا لا مطلقا ، والكفالة من أحكام الدنيا لأنها توثق ليأخذه فيها لا في الآخرة فلا يتصور لها وجود بلا دين [ ص: 205 ] كذلك ، ( ولأن الدين فعل حقيقة ولذا يوصف بالوجوب ) والموصوف بالأحكام الأفعال ( وقد عجز عنه بنفسه وبخلفه ) هو الكفيل الكائن قبل سقوطه فسقط في أحكام الدنيا ضرورة ( والتبرع لا يعتمد قيام الدين ) ولو كان بقيد الإضافة : أي التبرع بالدين وهو الحق فإنما يعتمد قيامه بالنسبة إلى من عليه دون من له ، والكفالة نسبة بين كل من المكفول له والأصيل لأنه التزام ما على الأصيل للمكفول له ، ولو كان به كفيل لم يعجز بخلفه فلم يسقط [ ص: 206 ] الدين بموته ، بخلاف الكفالة بعد موته فإنها كفالة بعد السقوط ( ولو كان له مال فالإفضاء إلى الأداء باق ) فلم يسقط الدين فصحت كفالته عن الميت المليء .

وأما حديث أبي قتادة فليس فيه صريح إنشاء الكفالة بل يحتمل قوله هما علي كلا من إنشائها والإخبار بها على حد سواء ، ولا عموم لواقعة الحال فلا يستدل به في خصوص محل النزاع ، ويحتمل الوعد بها وإن كان مرجوحا ، وامتناعه صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه ليظهر طريق إيفائهما لا بقيد طريق الكفالة ، فلما ظهر بوعدها أو بالإقرار بالكفالة بهما حصل المقصود فصلى عليه . ونوقض إثبات سقوط الدين بمسائل : أحدها لو مات المشتري مفلسا قبل أدائه الثمن لا يبطل البيع ، ولو سقط الثمن بطل ، ولو اشترى بفلوس في الذمة فكسدت قبل القبض يبطل البيع بهلاك الثمن في نفسه فعلم أن سقوط الدين ، بالنسبة إلى الدنيا لا يبطل الدين .

ثانيها : أنه لو كان بالدين كفيل يبقى على حاله إذا مات مفلسا ولو سقط في أحكام الدنيا لم تبق الكفالة .

ثالثها : لو كان بالدين رهن بقي الدين عليه بعد موته مفلسا وبقاء الرهن إنما يكون ببقاء الدين ، ولأن تعذر المطالبة لمعنى لا يوجب بطلان الدين في حال الحياة ، كالعبد المحجور إذا أقر بدين فكفل عنه به كفيل صح وإن كان لا يطالب به في حال رقه فكذا في حال الموت .

أجيب عن الأول بأن الدين لا يبطل بموته في حق المستحق حتى جاز أن يأخذه من المتبرع والكفالة تعتمد قيام الدين في حق الأصيل كما ذكرنا ، وقد سقط بهذا الاعتبار لضرورة بطلان المحل فيتقدر بقدر الضرورة .

وعن الثاني بأن كساد الفلوس يبطل الملك في حق المشتري فلذلك انتقض العقد وهنا الدين باق في حق صاحب الدين فلا يبطل العقد .

وعن الثالث بأن ذمة الكفيل السابق كفالته خلف عن ذمته فلا تبطل ذمته بالموت ومثله الرهن . وأما العبد فله ذمة صالحة فتصح الكفالة وتتأخر المطالبة لحق [ ص: 207 ] المولى كما أن الدين ثابت في ذمة المفلس الحي وإن كان لا يطالب به .




الخدمات العلمية