الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة ) لقوله عليه الصلاة والسلام { شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه } والجمع المحلى بالألف واللام يراد به الجنس فيتناول الأقل .

وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اشتراط الأربع ، ولأنه إنما سقطت الذكورة ليخف النظر لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف فكذا يسقط اعتبار العدد إلا أن المثنى والثلاث أحوط لما فيه من معنى الإلزام [ ص: 373 ] ( ثم حكمها في الولادة شرحناه في الطلاق ) وأما حكم البكارة فإن شهدن أنها بكر يؤجل في العنين سنة ويفرق بعدها [ ص: 374 ] لأنها تأيدت بمؤيد إذ البكارة أصل ، وكذا في رد المبيعة إذا اشتراها بشرط البكارة ، فإن قلن إنها ثيب يحلف البائع لينضم نكوله إلى قولهن والعيب يثبت بقولهن فيحلف البائع ، وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة رحمه الله في حق الإرث لأنه مما يطلع عليه الرجال إلا في حق الصلاة لأنها من أمور الدين . وعندهما تقبل في حق الإرث أيضا لأنه صوت عند الولادة ولا يحضرها الرجال عادة فصار كشهادتهن على نفس الولادة

التالي السابق


( قوله وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة ) مسلمة حرة عدلة والثنتان أحوط [ ص: 373 ] وبه قال أحمد . وشرط الشافعي أربعا . ومالك ثنتين .

له أن كل ثنتين يقومان مقام رجل . ولمالك أن المعتبر في الشهادة أمران العدد والذكورة ، وقد سقط اعتبار الذكورة فبقي العدد . ولنا ما روى محمد بن الحسن في أول باب شهادات النساء من الأصل عن أبي يوسف عن غالب بن عبد الله عن مجاهد وعن سعيد بن المسيب وعن عطاء بن أبي رباح وطاوس قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه } وهذا مرسل يجب العمل به .

وجه الاستدلال بهذا الحديث قد اتفقنا على أن اللام لما لم يكن اعتبارها في العهد إذ لا عهد في مرتبة بخصوصها من مراتب الجمع كانت للجنس وهو يتناول القليل والكثير فتصح بواحدة والأكثر أحسن فقلنا كذلك . وروى عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب عن الزهري قال : { مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن } ، وهذا مرسل حجة عندنا ، وهو مثل ما ذكره المصنف ، ورواه ابن أبي شيبة .

وروى عبد الرزاق أيضا أخبرنا أبو بكر بن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن القعقاع بن حكيم عن ابن عمر رضي الله عنه قال : لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء . وله مخارج أخر . قال المصنف ( ثم حكمها في الولادة شرحناه في كتاب الطلاق ) [ ص: 374 ] أي في باب ثبوت النسب منه .

وفي المبسوط : لو شهد بالولادة رجل فقال فاجأتها فاتفق نظري إليها تقبل إذا كان عدلا ، ولو قال تعمدت النظر لا تقبل ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي . وقال بعض مشايخنا : إن قال تعمدت النظر تقبل أيضا ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي رحمه الله . وأما حكم البكارة ، فإن شهدت أنها بكر يؤجل العنين سنة فإذا مضت فقال وصلت إليها فأنكرت ترى النساء ، فإن قلن هي بكر تخير فإن اختارت الفرقة فرق للحال ، وإنما فرق بقولهن لأنها تأيدت بمؤيد وهو موافقة الأصل ، إذ البكارة أصل ، ولو لم تتأيد شهادتهن بمؤيد اعتبرت في توجه الخصومة لا في إلزام الخصم ، وكذا في رد المبيع إذا اشتراها بشرط البكارة فقال المشتري هي ثيب يريها النساء ، فإن قلن هي بكر لزمت المشتري لتأيد شهادتهن بمؤيد هو الأصل ، وإن قلن هي ثيب لم يثبت حق الفسخ لأن حق الفسخ قوي وشهادتهن ضعيفة ولم تتأيد بمؤيد لكن ثبت حق الخصومة فتتوجه اليمين على البائع لقد سلمتها بحكم البيع وهي بكر ، فإن لم يكن قبضها حلف بالله لقد بعتها وهي بكر ، فإن نكل ردت عليه ، وإن حلف لزم المشتري ، وأما شهادتهن على استهلال الصبي فتقبل في حق الصلاة عليه بالاتفاق .

وأما في حق الإرث فعندهما كذلك ، وعند أبي حنيفة لا تقبل إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأن الاستهلال صوت مسموع والرجال والنساء فيه سواء فكان مما يطلع عليه الرجال ، بخلاف الولادة فإنها انفصال الولد من الأم فلا يطلع عليه الرجال [ ص: 375 ] وهما يقولان صوته يقع عند الولادة وعندها لا يحضر الرجال فصار كشهادتهن على نفس الولادة ، وبقولهما قال الشافعي وأحمد وهو أرجح




الخدمات العلمية