الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ومن ادعى على آخر مالا [ ص: 335 ] فقال ما كان لك علي شيء قط فأقام المدعي البينة على ألف وأقام هو البينة على القضاء قبلت بينته ) وكذلك على الإبراء . وقال زفر رحمه الله : لا تقبل لأن القضاء يتلو الوجوب وقد أنكره فيكون مناقضا .

ولنا أن التوفيق ممكن لأن غير الحق قد يقضى ويبرأ منه دفعا للخصومة والشغب ; ألا ترى أنه يقال قضى بباطل وقد يصالح على شيء فيثبت ثم يقضى ، وكذا إذا قال ليس لك علي شيء قط لأن التوفيق أظهر ( ولو قال ما كان لك علي شيء قط ولا أعرفك لم تقبل بينته على القضاء ) وكذا على الإبراء لتعذر التوفيق لأنه لا يكون بين اثنين ، أخذ وإعطاء وقضاء واقتضاء ومعاملة بدون المعرفة . وذكر القدوري رحمه الله أنه تقبل أيضا لأن المحتجب أو المخدرة قد يؤذى بالشغب على بابه [ ص: 336 ] فيأمر بعض وكلائه بإرضائه ولا يعرفه ثم يعرفه بعد ذلك فأمكن التوفيق .

التالي السابق


( قوله ومن ادعى على آخر مالا ) معلوم [ ص: 335 ] القدر وما تصح به الدعوى ( فقال ) المدعى عليه ( ما كان لك علي شيء قط فأقام المدعي البينة على ألف وأقام هو بينة على القضاء قبلت بينته ، وكذلك ) لو أقامها ( على الإبراء . وقال زفر لا تقبل ) ونقل عن ابن أبي ليلى ( لأن القضاء يتلو الوجوب وقد أنكر الوجوب ) حيث قال ما كان لك علي شيء قط ، فإذا أقام بينة على أنه قضاه ناقض ( ولنا أن التوفيق ممكن لأن غير الحق قد يقضى دفعا للشغب ) وإن لم يكن عليه حق ( ويبرأ منه و ) لذا ( يقال قضى بباطل ، و ) أيضا ( قد يصالح على شيء فيثبت ثم يقضي ، وكذا لو قال ليس لك علي شيء قط لأن التوفيق أظهر ) لأنه نفى في الحال وهو لا يستلزم النفي مطلقا لجواز القضاء أو الإبراء بعد اللزوم فينتفي في الحال بعد وجوده ، وهذا الإطلاق يقتضي قبول البينة إذا احتاج إلى التوفيق من غير دعوى التوفيق . وفي بعض المواضع شرط محمد دعوى التوفيق ، ولم يذكر في بعض المواضع فقيل يشترط الدعوى في الكل ويحمل ما سكت فيه على ما ذكر فيه حتى قال في الأقضية : لا ينبغي للقاضي أن يوفق لأنه نصب لفصل الخصومات لا لإنشائها ولأن القاضي لا يدري ما يوفق به المدعي .

وفي الفوائد الظهيرية : كان والدي يفتي بأن التوفيق إذا كان ممكنا يجب على الحاكم التوفيق كي لا تتعطل حجج الشرع . والتوسط في هذا أن وجه التوفيق إذا كان ظاهرا متبادرا يجب أن يسمع البينة بلا توفيق المدعي كقوله ليس لك علي شيء ثم أقامها على أنه قضاه ونحوه ، وإن كان متكلفا لا يعتبره القاضي واقعا ما لم يذكره المدعي ، والله سبحانه أعلم . وذلك مثل قوله وهبها لي ثم أنكرها فاشتريتها ، وكذا فيما يأتي في الجارية لم أبعها له ولكن أقام بينة كاذبة بالبيع فسألته أن يبرئني من العيوب فإن مثل هذا في الحقيقة تلقين للحجة . هذا ( فلو ) زاد على ذلك ف ( قال ما كان لك علي شيء قط ولا أعرفك ) أو قال ولا رأيتك أو قال ولا جرى بيني وبينك مخالطة ولا أخذ ولا إعطاء أو ما اجتمعت معك في مكان وما أشبه ذلك ثم أقام بينة على القضاء أو الإبراء ( لم تقبل ) لتعذر التوفيق ( وذكر القدوري ) عن أصحابنا ( أنها تقبل أيضا لأن المحتجب أو المخدرة قد يؤذى بالشغب على بابه [ ص: 336 ] فيأمر بإرضائه ولا يعرفه ثم يعرفه بعد ذلك فأمكن التوفيق ) فعلى هذا قالوا يجب التفصيل ، فإن كان المدعى عليه ممن يتولى الأعمال بنفسه لا تقبل بينته وإلا قبلت . وفي الشافي : لو قال لم أدفع إليه شيئا ثم ادعى الدفع لم يسمع لأنه يستحيل أن يقول لم أدفع إليه شيئا وقد دفعته ، أما لو ادعى إقراره بالدفع إليه أو القضاء ينبغي أن يسمع لأن المناقض هو الذي يجمع بين كلامين وهنا لم يجمع ، ولهذا لو صدقه المدعي عيانا لا يكون مناقضا ذكره التمرتاشي . وقيل تقبل البينة على الإبراء في هذا الفصل باتفاق الروايات لأن الإبراء يتحقق بلا معرفة .




الخدمات العلمية