الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ويجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل عند أبي حنيفة ) وقالا : لا يجوز { لقوله عليه الصلاة والسلام حين سئل عنه أو ينقص إذا جف ؟ فقيل نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا إذا } [ ص: 28 ] وله أن الرطب تمر { لقوله عليه الصلاة والسلام حين أهدى إليه رطب أو كل تمر خيبر هكذا } سماه تمرا .

وبيع التمر بمثله جائز لما روينا ، ولأنه لو كان تمرا جاز البيع بأول الحديث ، وإن كان غير تمر فبآخره ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 29 ] إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم ومدار ما روياه على زيد بن عياش وهو ضعيف عند النقلة .

التالي السابق


( قوله ويجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل عند أبي حنيفة ) [ ص: 28 ] وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله : لا يجوز ، فقد تفرد أبو حنيفة بالقول بالجواز .

وأما الرطب بالرطب فيجوز عندنا كيلا متماثلا ، للجماعة قوله صلى الله عليه وسلم فيما روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن زيد بن عياش عن سعد بن أبي وقاص أنه سئل عن البيضاء بالسلت ، فقال سعد : أيهما أفضل ؟ قال البيضاء ، فنهاه عن ذلك وقال : { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن شراء التمر بالرطب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينقص الرطب إذا جف ؟ قال نعم ، فنهاه عن ذلك } فهذا حكم منبه فيه على علته وهو كونه ينقص في أحد البدلين في ثاني الحال عن المساواة . ومن طريق مالك رواه أصحاب السنن الأربعة .

وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ( ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الرطب تمر لقوله صلى الله عليه وسلم { حين أهدى له رطب أو كل تمر خيبر هكذا } فسماه ) أي سمى الرطب ( تمرا ) وهذا إنما يتم إذا كان المهدى رطبا وليس كذلك بل كان تمرا .

أخرج الشيخان في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري رضي الله عنه فاستعمله على خيبر ، فقدم بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكل تمر خيبر هكذا ؟ فقال لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين من الجمع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل ، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا } وكذلك الميزان . ولفظ آخر { إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، فقال : لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا } والجمع أصناف مجموعة من التمر .

وما ادعاه بعض الخلافيين فيمن حلف لا يأكل تمرا فأكل رطبا أنه يحنث فليس كذلك ، بل المذهب أنه لا يحنث لأن مبناها على العرف ، وسنذكر تمامه . ثم قال المصنف ( ولأنه إن كان تمرا ) هذا اللفظ يحكى عن أبي حنيفة أنه دخل بغداد وكانوا أشداء عليه لمخالفته الخبر ، فسألوه عن التمر فقال : الرطب إما أن يكون تمرا أو لم يكن ، فإن كان تمرا جاز العقد عليه لقوله صلى الله عليه وسلم { التمر بالتمر } وإن لم يكن جاز لقوله صلى الله عليه وسلم { إذا اختلف النوعان [ ص: 29 ] فبيعوا كيف شئتم } فأورد عليه الحديث ، فقال : هذا الحديث دائر على زيد بن عياش وزيد بن عياش ممن لا يقبل حديثه .

وأبدله المصنف بقوله ( ضعيف عند النقلة ) وغلط بعض الشارحين المصنف في قوله زيد بن عياش فإن المذكور في كتب الحديث زيد أبو عياش . وتبع في ذلك الشيخ علاء الدين مغلطاي . قال الإمام الزيلعي المخرج رحمه الله : ليس ذلك بصحيح .

قال صاحب التنقيح : زيد بن عياش أبو عياش الدورقي ، ويقال المخزومي ، ويقال مولى بني زهرة المدني ليس به بأس . وغير مشايخنا ذكروا أن أبا حنيفة إنما قال هو مجهول ، وقد رد ترديده بين كونه تمرا أو لا بأن هنا قسما ثالثا وهو كونه من الجنس ولا يجوز بيعه بالآخر كالحنطة المقلية بغير المقلية لعدم تسوية الكيل بينهما ، فكذا الرطب بالتمر لا يسويهما الكيل ، وإنما يسوى في حال اعتدال البدلين وهو أن يجف الآخر .

وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التساوي حال العقد ، وعروض النقص بعد ذلك لا يمنع مع المساواة في الحال إذا كان موجبه أمرا خلقيا وهو زيادة الرطوبة ، بخلاف المقلية بغيرها فإنا في الحال نحكم بعدم التساوي لاكتناز أحدهما في الكيل ، بخلاف الآخر لتخلخل كثير ورد طعنه في أبي عياش أيضا بأنه ثقة كما نقلنا آنفا من قول صاحب التنقيح ، وأيضا روى عنه مالك في الموطأ وهو لا يروي عن رجل مجهول .

وقال المنذري : كيف يكون مجهولا وقد روى عنه اثنان ثقتان عبد الله بن زيد مولى الأسود بن سفيان وعمران بن أبي أنس وهما ممن احتج بهما مسلم في صحيحه ، وقد عرفه أئمة هذا الشأن ، وقد أخرج حديثه مالك في الموطأ مع شدة تحريه في الرجال . وقال ابن الجوزي في التحقيق : قال الإمام أبو حنيفة : زيد أبو عياش مجهول ، فإن كان هو لم يعرفه فقد عرفه أئمة النقل ، ثم ذكر ما ذكرنا .

وقد أجيب أيضا بأنه بتقدير صحة السند فالمراد النهي عنه نسيئة ، فإنه ثبت في حديث أبي عياش هذا زيادة " نسيئة " ، أخرجه أبو داود في سننه عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن يزيد أن أبا عياش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالرطب نسيئة } وبهذا اللفظ رواه الحاكم وسكت عنه ، وكذا رواه الطحاوي في شرح الآثار ، ورواه الدارقطني وقال : اجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه ابن أبي كثير يدل على ضبطهم للحديث يريد بالأربعة مالكا وإسماعيل بن أبي أمية والضحاك بن عثمان وآخر ، وأنت تعلم أن بعد صحة هذه الزيادة يجب قبولها لأن المذهب المختار عند المحدثين قبول الزيادة وإن كان الأكثر لم يوردها إلا في زيادة تفرد بها بعض الرواة الحاضرين في مجلس واحد ، ومثلهم لا يغفل عن مثلها فإنها مردودة على ما كتبناه في تحرير الأصول ، وما نحن فيه لم يثبت أنه زيادة لما في مجلس واحد اجتمعوا فيه فسمع هذا ما لم يسمع المشاركون له في ذلك المجلس بالسماع ، فما لم يظهر أن الحال كذلك فالأصل أنه قاله في مجالس ذكر في بعضها ما تركه في آخر والله الموفق .

لكن يبقى قوله في تلك الرواية الصحيحة " أينقص الرطب إذا جف " عريا عن الفائدة إذا كان النهي عنه نسيئة . وما ذكروا أن فائدته أن الرطب ينقص إلى أن يحل الأجل فلا يكون في هذا التصرف منفعة لليتيم باعتبار النقصان عند الجفاف [ ص: 30 ] فمنعه على طريق الإشفاق مبني على أن السائل كان ولي يتيم ولا دليل عليه




الخدمات العلمية