الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصية ) هذا هو الصحيح في حد العدالة المعتبرة ، إذ لا بد من توقي الكبائر كلها وبعد ذلك يعتبر الغالب كما ذكرنا ، [ ص: 421 ] فأما الإلمام بمعصية لا تنقدح به العدالة المشروطة فلا ترد به الشهادة المشروعة لأن في اعتبار اجتنابه الكل سد بابه وهو مفتوح إحياء للحقوق .

التالي السابق


( قوله وإذا كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يجتنب الكبائر قبلت شهادته ) هذا هو معنى المروي عن أبي يوسف في حد العدالة وهو أحسن ما قيل ، وفيه قصور حيث لم يتعرض لأمر [ ص: 421 ] المروءة بل اقتصر على ما يتعلق بالمعاصي . والمروي عن أبي يوسف هو قوله أن لا يأتي بكبيرة ولا يصر على صغيرة ويكون ستره أكثر من هتكه وصوابه أكثر من خطئه ومروءته ظاهرة ويستعمل الصدق ويجتنب الكذب ديانة ومروءة . هكذا نقله عنه القاضي أبو حازم حين سأله عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد عن العدالة فقال : أحسن ما نقل في هذا الباب ما روي عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي . ثم ذكر ذلك ، وكان يكفيه إلى قوله ومروءة ظاهرة . وقول المصنف ( فأما الإلمام بمعصية فلا تنقدح به العدالة ) يريد الصغيرة ، ولفظ الإلمام وألم قد اشتهر في الصغيرة . ومنه قول ابن خراش وهو يسعى بين الصفا والمروة :

إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما



هكذا أورده العتبي عنه بسنده ، ونسبه الخطابي إلى أمية ، ونسبة صاحب الذخيرة إياه إلى النبي صلى الله عليه وسلم غلط . ولا بأس بذكر أفراد نص عليها : منها ترك الصلاة بالجماعة بعد كون الإمام لا طعن عليه في دين ولا حال وإن كان متأولا في تركها كأن يكون معتقدا فضيلة أول الوقت والإمام يؤخر الصلاة أو غير ذلك لا تسقط عدالته بالترك ، وكذا بترك الجمعة من غير عذر ، فمنهم من أسقطها بمرة واحدة كالحلواني ، ومنهم من شرط ثلاث مرات كالسرخسي ، والأول أوجه . وذكر الإسبيجابي : من أكل فوق الشبع سقطت عدالته عند الأكثر ، ولا بد من كونه في غير إرادة التقوي على صوم الغد أو مؤانسة الضيف ، وكذا من خرج لرؤية السلطان أو الأمير عند قدومه . ورد شداد شهادة شيخ صالح لمحاسبته ابنه في نفقة طريق مكة كأنه رأى منه تضييقا ومشاححة فشهد منه البخل . وذكر الخصاف أن ركوب البحر للتجارة أو للتفرج يسقط العدالة ، وكذا التجارة إلى أرض الكفار وقرى فارس ونحوها لأنه مخاطر بدينه ونفسه لنيل المال فلا يؤمن أن يكذب لأجل المال ، وترد شهادة من لم يحج إذا كان موسرا على قول من يراه على الفور ، وكذا من لم يؤد زكاته ، وبه أخذ الفقيه أبو الليث ، وكل من شهد على إقرار باطل وكذا على فعل باطل ، مثل من يأخذ سوق النخاسين مقاطعة وأشهد على وثيقتها شهودا . قال المشايخ : إن شهدوا حل لهم اللعن لأنه شهادة على باطل فكيف هؤلاء الذين يشهدون عند مباشري السلطان على ضمان الجهات والإجارات الضارة وعلى المحبوسين عندهم والذين في ترسيمهم .




الخدمات العلمية