الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( قال : وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان الحق مالا أو غير مال مثل النكاح ) والطلاق والعتاق والعدة والحوالة والوقف والصلح ( والوكالة والوصية ) والهبة والإقرار والإبراء والولد والولاد والنسب ونحو ذلك . وقال الشافعي رحمه الله : لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها لأن الأصل فيها عدم القبول لنقصان العقل واختلال الضبط وقصور الولاية فإنها لا تصلح للإمارة ولهذا لا تقبل في الحدود ، ولا تقبل شهادة الأربع منهن وحدهن إلا أنها قبلت في الأموال ضرورة ، والنكاح أعظم خطرا وأقل وقوعا فلا يلحق بما هو أدنى خطرا وأكثر وجودا .

[ ص: 371 ] ولنا أن الأصل فيها القبول لوجود ما يبتنى عليه أهلية الشهادة وهو المشاهدة والضبط والأداء ، إذ بالأول يحصل العلم للشاهد ، وبالثاني يبقى ، وبالثالث يحصل العلم للقاضي ولهذا يقبل إخبارها في الأخبار ، ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى إليها فلم يبق بعد ذلك إلا الشبهة فلهذا لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات ، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات [ ص: 372 ] وعدم قبول الأربع على خلاف القياس كي لا يكثر خروجهن .

التالي السابق


وكذا القصاص وما سوى ذلك من المعاملات : أي وكل ما سوى ذلك يقبل فيه رجلان أو رجل وامرأتان سواء كان الحق مالا أو لا كالنكاح والطلاق والوكالة والوصية ونحو ذلك كالعتق والرجعة والنسب .

وقال الشافعي : لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها كالإذن وشرط الخيار والشفعة والإجارة وقتل الخطإ وكل جرح لا يوجب إلا المال ، وكذا فسخ العقود وقبض نجوم الكتابة إلا النجم الأخير ففيه وجهان لترتب العتق عليه ، لأن الأصل فيها عدم القبول لنقصان العقل واختلال الضبط ، وكقول الشافعي [ ص: 371 ] رحمه الله قال مالك .

وعن أحمد روايتان رواية كقولنا ورواية كقولهما ، وقصور الرواية حتى إنها لا تصلح للإمارة ولا تقبل شهادة الأربع منهن ، لكن خرج عن الأصل شرعا في الأموال ضرورة لكثرة وقوع أسبابها فيلحق الحرج بطلب رجلين في كل حادثة ، وكذا العادة أن يوسع فيما يكثر وقوعه . بخلاف النكاح فإنه مع كونه أعظم خطرا أقل وقوعا فلا يلحق الحرج بالاشتراط ، ولذا قال تعالى في الرجعة { وأشهدوا ذوي عدل منكم } والرجعة من توابع النكاح فألحقت بقية التوابع به كالخلع والطلاق .

قال المصنف ( ولنا أن الأصل فيها القبول ) فابتدأ بتضمين منع مقدمته القائلة : الأصل عدم القبول ، ثم أثبت هذه بوجود ما ينبني عليه أهلية الشهادة وهو المشاهدة إلخ . واعترض بأن المشاهدة والضبط أهلية الأداء لا أهلية الشهادة ، بل هي كما قال في الأسرار : إن أهليتها بالولاية والولاية مبنية على الحرية ، والإرث والنساء في هذا كالرجال . بقي أهلية التحمل وهو بالمشاهدة والضبط والنساء في ذلك كالرجال ولهذا قبلت روايتهن لأحاديث الأحكام الملزمة للأمة .

فعن هذا قد يقال والله تعالى أعلم : إن جعل الشارع الثنتين في مقام رجل ليس لنقصان الضبط ونحو ذلك بل لإظهار درجتهن عن الرجال ليس غير ، ولقد نرى كثيرا من النساء يضبطن أكثر من ضبط الرجال لاجتماع خاطرهن أكثر من الرجال لكثرة الواردات على خاطر الرجال [ ص: 372 ] وشغل بالهم بالمعاش والمعاد وقلة الأمرين في جنس النساء . سلمنا أنه لنقصان الضبط وزيادة النسيان في جنسهن وإن كان بعض أفرادهن أضبط من بعض أفراد الرجال لقوله تعالى { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } لكن ذلك انجبر بضم الأخرى إليها فلم يبق حينئذ إلا الشبهة فلم تقبل فيما يندرئ بالشبهات ، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات ، وأما عدم قبول الأربع فعلى خلاف القياس كأنه كي لا يكثر خروجهن




الخدمات العلمية