الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإن حاز أجنبي غير شريك وتصرف ، ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع عشر سنين [ ص: 573 ] لم تسمع ، ولا بينته ، [ ص: 574 - 575 ] إلا بإسكان ونحوه ; كشريك أجنبي حاز فيها إن هدم وبنى

التالي السابق


( وإن حاز ) بإهمال الحاء وإعجام الزاي شخص ( أجنبي ) من المحوز عليه ( غير شريك ) للمحوز عليه في المحوز ( وتصرف ) بفتحات مثقلا الأجنبي الحائز في الشيء المحوز تصرف المالك في ملكه ( ثم ادعى ) شخص ( حاضر ) بالبلد مع الحائز ، واحترز بحاضر عن الغائب غيبة بعيدة كسبعة أيام ( ساكت ) عن منازعة الحائز المتصرف ( بلا مانع ) له من الإنكار على الحائز ومنازعته واحترز عمن نازع المتصرف وعمن سكت لمانع ، كخوف من سلطان أو قرابة أو عدم علم بأنه ملكه وحاز الأجنبي ( عشر سنين ) البناني هذا خاص بالعقار والتحديد بالعشر نحوه في الرسالة ، وعزاه في المدونة لربيعة ، ونصها ولم يحد مالك " رضي الله عنه " في الحيازة في الربع عشر سنين ولا غيرها ، وقال ربيعة حوز عشر سنين يقطع دعوى الحاضر إلا أن يقيم بينة أنه إنما أكرى أو أسكن أو أخدم أو أعار ونحوه ، ولا حيازة على غائب ، وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من حاز عشر سنين فهو له } ا هـ . في التوضيح بهذا أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ ، ودليله ما رواه أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم ، وذكر الحديث ، وهو المشهور في المذهب . [ ص: 573 ] ولابن القاسم في الموازية ما قارب العشر كسبع كالعشر ، وعن مالك تحد باجتهاد الحاكم فيتحصل في مدة الحيازة ثلاثة أقوال : قول مالك في المدونة أنها لا تحد بسنين مقدرة ، بل باجتهاد الإمام . الثاني قول ربيعة تحد بعشر سنين ، وبه أخذ أصحاب الإمام . الثالث قول ابن القاسم الثاني حدها بسبع سنين ، ولخصها ابن عرفة في قوله وفي تحديد مدة الحيازة بعشر أو سبع ثالثها لا تحديد بمدة بل باجتهاد الإمام . ا هـ . وتلفق من حيازة المورث ووارثه كحوز المورث خمس سنين ، ووارثه كذلك كما في مختصر المتيطية ، ويجري هذا في المدة الطويلة عن العشر والقصيرة عنها الآتيين .

( لم ) الأولى فلا ( تسمع ) بضم الفوقية أي دعوى الحاضر الساكت بلا مانع ( ولا ) تسمع ( بينته ) أي الحاضر الساكت بلا مانع التي تشهد له بملكه المحوز ، أي لا يعمل بمقتضى شهادتها . ( تنبيهات ) الأول : الحط ختم المصنف باب الشهادات بالكلام على الحيازة ; لأنها كالشاهد على الملك . الثاني : ابن رشد الحيازة لا تنقل الملك عن المحوز عليه إلى الحائز باتفاق ، ولكنها تدل عليه كإرخاء الستور ومعرفة العفاص والوكاء ، فيكون القول معها قول الحائز أنه ملكه بيمينه لقول النبي صلى الله عليه وسلم { من حاز شيئا عشر سنين فهو له } لأن معناه عند أهل العلم أن الحكم يوجبه له بدعواه ، فإن حاز الرجل مال غيره في وجهه مدة تكون الحيازة فيها عاملة وهي عشرة أعوام دون هدم ولا بنيان أو مع الهدم والبنيان على ما نذكره من الخلاف في ذلك ، وأنه عاد ملكا لنفسه بابتياع أو صدقة أو هبة وجب أن يكون القول قوله في ذلك بيمينه ا هـ . وظاهر نقل ابن يونس وغيره أن القول قوله بلا يمين ، وفي الشامل وفي يمين الحائز حينئذ قولان الحط ولزوم اليمين أقوى وهو الظاهر والله أعلم . الثالث : ابن رشد الحيازة ستة أقسام أضعفها حيازة الأب على ابنه أو عكسه ، ويليها حيازة القريب الشريك ، ويليها حيازة القريب غير الشريك والولي والختن الشريك [ ص: 574 ] ويليها حيازة المولى والختن غير الشريك ، ويليها حيازة الأجنبي الشريك ، ويليها حيازة الأجنبي غير الشريك وهي أقواها . الرابع : ابن رشد الحيازة بثلاثة أشياء أضعفها السكنى والازدراع ، ويليها الهدم والبناء والغرس والاستغلال ، ويليها التفويت بالبيع والهبة والصدقة والنحل والعتق والكتابة والتدبير والوطء وما أشبه ذلك مما لا يفعله الرجل إلا في ماله ، والاستخدام في الرقيق والركوب في الدواب كالسكنى فيما يسكن والازدراع فيما يزرع .

الخامس : الحيازة على النساء عاملة إذا كن في البلد ذكره ابن بطال في المقنع . السادس : يستحب للغائب إذا علم بالحيازة أن يشهد أنه على حقه قاله ابن بطال والرجراجي . السابع : اختلف هل يطالب الحائز ببيان سبب ملكه ، فقال ابن أبي زمنين لا يطالب به وقال غيره يطالب به . وقيل إن لم يثبت أصل الملك للمدعي فلا يسأل الحائز عن بيان أصل ملكه ، وإن ثبت الأصل للمدعي ببينة أو بإقرار الحائز سئل عن سبب ذلك . وقال ابن العتاب وابن القطان لا يطالب إلا أن يكون معروفا بالغصب والاستطالة والقدرة على ذلك . الثامن : الحط الظاهر أن المراد بعدم سماع البينة عدم العمل بمقتضاها لا أنها لا تسمع ابتداء ، ولا يسأل المدعى عليه عن جوابها ، فإن هذا غير ظاهر ، بل يسأل لاحتمال أن يقر بأن ملك ما حازه للمدعي ويعتقد أن مجرد حوزه يوجب له الملك ، وقد تقدم أن الحوز لا ينقل الملك إجماعا ، وإنما يدل على انتقاله بسبب من أسبابه كبيع وهبة ، وقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم { لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم } . التاسع : الحط إن قيل قوله لم تسمع دعواه يغني عن قوله ولا بينته ; لأنه يلزم من عدم سماع الدعوى عدم سماع البينة ، فجوابه والله أعلم أنه قال ولا بينته لدفع توهم أن الدعوى المجردة عن البينة لا تسمع ، والتي عليها بينة تسمع كدعوى الرقيق العتق والزوجة الطلاق ، وأيضا ليفرع عليه قوله إلا بالإمكان ونحوه .

[ ص: 575 ] العاشر الحط لا تسقط الحيازة ولو طالت الدعوى في الحبس ، بهذا أفتى ابن رشد في نوازله في جواب المسألة الخامسة من مسائل الوقف ، وهي مسألة تتضمن السؤال عن جماعة واضعين أيديهم على أملاكهم ومورثهم ومورث مورثهم نحوا من سبعين عاما يتصرفون فيها بالبناء والغرس والتعويض والقسمة ، وكثير من وجوه التفويت ، فادعى عليهم بوقفيتها شخص حاضر عالم بالتفويت المذكور والتصرف هو ومورثه من قبله ، ونصه ولا يجب القضاء بالحبس إلا بعد أن يثبت التحبيس وملك المحبس لما حبسه يوم تحبيسه ، وبعد أن تتعين الأملاك المحبسة بالحيازة لها على ما تصح الحيازة فيه ، فإذا ثبت ذلك كله على وجهه وأعذر إلى القوم المدعى عليهم فلم يكن لهم حجة إلا ترك القائم وأبيه من قبله القيام عليهم ، وطول سكوتهما عن طلب حقهما بتفويت الأملاك ، فالقضاء بالحبس واجب والحكم به لازم . ا هـ . وأفتى به أيضا في جواب المسألة السادسة من مسائل الدعوى والخصومات فانظرها ، والجواب في الحط . واستثنى من قوله ولا بينته فقال ( إلا ) ببينته الشاهدة له ( بإسكان ) من المدعي للحائز في العقار بأجرة أو بلا أجرة ( ونحوه ) أي الإسكان كإعمار ومساقاة ومزارعة . ابن رشد الحيازة لا ينتفع الحائز بها إلا أن يجهل أصل دخوله فيها ، فإذا علم أن أصل دخوله فيها كان على وجه ما من غصب أو عارية أو إسكان أو إرفاق فلا ينتفع بطول حيازته له إلا أن يطول زمن ذلك جدا ، ولم يحد في هذه الرواية حدا إلا أنه قال قدر ما يخشى أن يكون من يعرف ذلك الحق هلك أو نسي لطول زمانه ، فيحلف مع بينته ، ويقضي له إن ادعى الحائز أن المالك باعه مثلا . وأما إن لم يدع نقل الملك وإنما تمسك بمجرد الحيازة فلا يحلف قاله في التوضيح وغيره . وشبه في عدم سماع الدعوى والبينة فقال ( كشريك ) للمدعي ( أجنبي ) منه ( حاز ) العقار عن شريكه ( فيها ) أي العشر سنين فلا تسمع دعوى المدعي بعدها ولا بينته ( إن هدم ) الحائز العقار الذي لم يخش سقوطه ( وبنى ) العقار ، فإن هدم ما خشي سقوطه [ ص: 576 ] أو كان يسيرا فلا يعتبر في الحيازة .




الخدمات العلمية