الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 290 ] ونادى بمنع معاملة يتيم وسفيه ، ورفع أمرهما إليه ، ثم في الخصوم ورتب كاتبا عدلا شرطا : [ ص: 291 ] كمزك ، واختارهما [ ص: 292 ] والمترجم : مخبر : [ ص: 293 ] كالمحلف ، وأحضر العلماء ، أو شاورهم

التالي السابق


( ونادى ) أي يأمر القاضي بالنداء على الناس ( بمنع معاملة ) شخص ( يتيم ) مهمل لا وصي له ولا مقدم ( و ) منع معاملة شخص ( سفيه ) بالغ لا يحسن التصرف في المال مهمل من وصي ومقدم ( ورفع أمرهما ) أي اليتيم والسفيه إليه لينظر في حالهما . أصبغ ينبغي للقاضي إذا قعد أن يأمر بالنداء في الناس أن كل يتيم لا وصي له ولا وكيل ، فقد حجرت عليه ، و كل سفيه مستوجب للولاية فقد منعت الناس من مداينته ومتاجرته ومن علم مكان أحد من هؤلاء فليرفعه إلينا لنولي عليه فمن داينه بعد أو باع أو ابتاع منه فهو مردود ( ثم ) ينظر في أحوال ( الخصوم ) بضم الخاء المعجمة جمع خصم ظاهره أن النظر فيهم مؤخر عما تقدم ولو كان فيها مسافر وهو كذلك قاله أحمد .

( ورتب ) بفتحات مثقلا القاضي ( كاتبا عدلا ) يكتب الوقائع والأحكام ترتيبا واجبا ( شرطا ) قاله أحمد وهو ظاهر تعبيره بالفعل . وقال الحط ترتيب الكاتب والمزكي والمترجم أولوي هذا ظاهر عباراتهم ، فإن أبا الحسن والقرافي جعلاه من آداب القضاء ، وقوله عدلا قال ابن فرحون ذكر بعضهم في صفاته أربعة : العدالة والعقل والرأي والعفة ، وقوله شرطا كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها مرضيا وهي الأولى لأن العدالة ليست شرطا . ابن فرحون ابن شاس لا تشترط العدالة في الكاتب ولعله يريد لأن القاضي يقف على ما يكتب . ا هـ . إلا أني لم أر في الجواهر ما عزاه ابن فرحون لابن شاس . ابن عبد السلام ظاهر نصوصهم أنه لا يستعين مع القدرة إلا بالعدول ، فإن لم يجدهم جاز الاستعانة بغيرهم ، ثم قال وقول ابن القاسم فيها لا يستكتب القاضي أهل الذمة في شيء من أمور المسلمين ، ولا يتخذ قاسما من أهل الذمة ولا عبدا ولا مكاتبا ، ولا يستكتب من المسلمين إلا العدول المرضيين ، فلعل هذا مع الاختيار ا هـ . [ ص: 291 ]

وقال أبو الحسن هذا إذا وجد وإلا الأمثل فالأمثل . خليل ظاهر ما حكاه المتيطي عن ابن المواز أن عدالة الكاتب من باب الأولى ، لكن قال اللخمي لا يبعد حمل قول محمد على الوجوب المازري إن كان الكاتب غير ثقة فلا بد من اطلاع القاضي على ما يكتبه فيجلسه قريبا منه بحيث يشاهد ما يكتبه عنه ، وإن كان عدلا فالمذهب أنه مأمور بالنظر إلى ما يكتب ، وقد رجح بعض أشياخي وجوبه ، لأنه إذا شاهد ما يكتب أشهد على نفسه بما تيقنه ، وإذا عول على الكاتب العدل اقتصر على أمر مظنون مع قدرته على اليقين ، ووظيفة الكاتب أن يكتب ما يقع من الخصوم في مجلس القاضي . الأقفهسي إذا وجد القاضي عقدا أو وثيقة علق خطه فليقطعه ويؤدب كاتبه . زروق القمطر بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء المهملة والراء الزمام الذي يكتب فيه التذكار ، ويسمى زمام القاضي .

وشبه في الترتيب وعدالة المرتب شرطا فقال ( كمزك ) بضم الميم وفتح الزاي وشد الكاف ، فيرتبه القاضي عدلا ثقة ليخبره بأحوال الشهود سرا بعد البحث عنهم في مساكنهم وأعمالهم وسؤاله عنهم عدولا ثقات مأمونين ، ولا يكتفي بواحد أو اثنين خيفة مصادفته حبيبا أو عدوا ( واختارهما ) أي القاضي الكاتب والمزكي . الحط أي وكذا يرتب مزكيا عدلا ولا كلام في اشتراط عدالة المزكي .

البساطي إن قلت إن حمل كلامه في الكاتب والمزكي على الجنس حتى يدخل فيه العدد خالف الأكثر في اشتراط العدد في الكاتب ، فإن الأكثر على أنه يكفي الواحد ، وإن حمل كلامه على الإفراد خالف الأكثر في المزكي فإنه لا بد معه من العدد عند هم . قلت يحمل كلامه على الأول ، والجنس يحتمل الإفراد والتعدد وغايته الإجمال وهو قريب . الحط يعين حمله على هذا عبارة الجواهر ، إذ فيها يشترط العدد في المزكي والمترجم دون الكاتب . وفي التوضيح في قول ابن الحاجب واختار الكاتب والمزكي ظاهره الاكتفاء بالواحد .

أشهب ينبغي للقاضي أن يتخذ رجلا صالحا مأمونا منتبها ، أو رجلين بهذه الصفة [ ص: 292 ] يسألان له عن الناس إلى آخر كلام أشهب ، ثم قال ابن الماجشون كل ما يبتدئ القاضي السؤال عنه والكشف يقبل فيه قول الواحد وما لم يبتده هو ، وإنما يبتدأ به في ظاهر أو باطن فلا بد من شاهدين فيه ، ثم ذكر كلام الجواهر ابن رشد تعديل السر يفترق من تعديل العلانية في وجهين أحدهما أنه لا أعذار في تعديل السر ، وثانيهما أنه يجتزئ فيه بواحد وإن كان الاختيار الاثنين ، بخلاف تعديل العلانية في الوجهين فلا يجوز فيه إلا شاهدان ، ويلزم الأعذار فيه إلى المشهود عليه ، هذا معنى ما في المدونة صح من البيان فلا يرد ما قاله البساطي أصلا ، لأن كلام المصنف في مزكي السر ، والله الموفق .

( و ) الشخص ( المترجم ) بضم الميم وفتح الفوقية وسكون الراء وكسر الجيم ، أي الذي يبدل لغة أعجمية بلغة عربية وعكسه عند القاضي إذا كان عربيا لا يعرف العجمية والخصوم عجم لا يعرفون العربية وعكسه وخبر المترجم ( مخبر ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الموحدة ، فيكفي فيه واحد . وقيل شاهد فلا يكفي واحد ولا يترجم كافر ولا عبد ولا مسخوط . ابن رشد إذا لم يضطر إلى ترجمتهم وإلا فتقبل . ابن عرفة سمع القرينان إن احتكم خصوم يتكلمون بغير العربية والقاضي عربي لا يفقه كلامهم فينبغي أن يترجم عنهم رجل ثقة مأمون مسلم واثنان أحب إلي ، ويجزئ الواحد ولا تقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوط .

ولا بأس بترجمة المرأة إن كانت من أهل العفاف والحق مما يقبل فيه شهادة النساء وامرأتان ورجل أحب إلي لأن هذا موضع شهادة . ابن رشد هو كما قال لأنه ما يبتدئ القاضي فيه بالبحث والسؤال كقياس الجراحات والنظر للعيوب والاستخلاف والقسم واستنكاه من استنكر سكره ، وشبه ذلك من الأمور يجوز فيه الواحد ، ففي المدونة في الذي يحلف المرأة يجوز رسول واحد وسمعه أصبغ في الاستنكاه ولا اختلاف فيه ، والاختيار في ذلك اثنان عدلان ويجزئ فيها الواحد العدل .

وقوله لا تقبل ترجمة كافر إلخ معناه مع وجود عدول المؤمنين ولو اضطر لترجمة كافر [ ص: 293 ] أو مسخوط لقبل قوله وحكم به كما يحكم بقول الطبيب الكافر ، وغير العدل فيما اضطر فيه لقوله لمعرفته بالطب دون غيره ، وقد حكى فضل عن سحنون أنه قال لا تقبل ترجمة الواحد ، واحتج بقول مالك في القاضي إذا لم يفقه لسانهم كان بمنزلة من لم يسمع ، ومعناه أنه لا ينبغي أن يكتفى بترجمة الواحد ابتداء لأنه إن فعل لم يجز ويرد هذا لا يصح أنه أراده . قلت ظاهر السماع صحة ترجمة المرأة ولو وجد مترجم من الرجال وساق الشيخ معنى هذا الكلام لابن حبيب عن الأخوين بعبارة لا بأس بترجمة المرأة إذا لم يجد من الرجال من يترجم له ، فهذا يفيد أن الراجح الاكتفاء بترجمة الواحد كما قال المصنف وإن نقل الحط عن العمدة ما نصه والمذهب أنه لا يجزئ واحد ، وقال ابن شاس يشترط تعدد بناء على أنه شاهد وهو المشهور . البناني كلام ابن شاس محله فيمن جاء به الخصم ليترجم عنه ، فهذا لا بد فيه من التعدد وليس هذا مراد المصنف ، وإنما مراده من يتخذه القاضي لنفسه مترجما ، وهذا يكفي فيه الواحد ، والله أعلم .

وشبه في الكون مخبرا فقال ( ك ) العدل ( المحلف ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام مثقلة ، لمن توجهت عليه يمين وقام به مانع من حضور مجلس القضاء كامرأة مخدرة ومريض ومحبوس ، فيكفي فيه واحد لأنه مخبر ( وأحضر ) القاضي ( العلماء ) مجلس القضاء في معضلة ( أو شاورهم ) أي العلماء فيها اللخمي والجلاب ينبغي أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود ليحكم بشهادتهم لا بعلمه وإن كان ممن يقضي بعلمه فأخذه بالمتفق عليه أحسن ، واختلف في جلوس أهل العلم معه فقال أشهب ومحمد لا أحب أن يقضي إلا بحضرتهم ومشورتهم ، ومنعه الأخوان . محمد لا يدع مشاورة أهل الفقه المازري ينبغي أن يستشير ولو كان عالما وإن كان حضورهم يوجب حصره لم يختلف في عدمه وإن كان بليدا بلادة لا يمكنه معها ضبط قول الخصمين وتصور حقيقة دعواهما لم يختلف في حضورهم إياه وكان عندنا قاض اشتهرت بالأمصار نزاهته فرفع إلى محاضر بين خصمين طال فيها النزاع والإثبات والتجريح ، فتأملت المحاضرات فوجدتها تتضمن أن الخصمين متفقان في المعنى مختلفان في العبارة ، ولم يتفطن القاضي لذلك حتى نبهته له فجعل منه [ ص: 294 ] وارتفع الخصام ، فمثل هذا لا بد أن يحضره أهل العلم أو كاتب يؤمن معه مثل هذا .

ابن عرفة قبول من هذه صفته القضاء جرحة الحط عطف رحمه الله تعالى أحد القولين على الآخر ، فإن أشهب ومحمدا قالا يحضرهم ومطرف وابن الماجشون قالا لا ينبغي أن يحضرهم ولكن يشاورهم قاله ابن الحاجب . خليل قيد اللخمي قول مطرف بقوله إلا أن يكون مقلدا فلا يسعه القضاء إلا بمحضرهم . المازري قول مطرف وغيره إنما هو إذا كان فكر القاضي في حال حضورهم كحاله في عدم حضورهم ، ولو كان حضورهم يكسبه ضجرا حتى لا يمكنه التأمل لما هو فيه ، فإنه يرتفع الخلاف ، وكذلك إذا كان القاضي من البلادة بحال لا يمكنه معه ضبط قول الخصمين ولا يتصور مقاصدهما حتى يستفتى عنه فإنه يرتفع الخلاف أيضا ، ولا يختلف في وجوب حضورهم ا هـ .

ابن مرزوق ظاهر المصنف أنه يخير في ذلك وهو نقل ثالث ، والذي نقله غيره أن في المسألة قولين ، قيل يحضرهم كفعل عثمان رضي الله عنه ، فإنه كان إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم واستشارهم ، وقيل يرسل إليهم يستشيرهم من غير إحضار ، كفعل عمر رضي الله عنه ، والأول قول أشهب وابن المواز ، والثاني قول الأخوين . وأجيب عن المصنف بأن أو في كلامه لتنويع الخلاف .



( تنبيهات )

الأول : المازري في شرح التلقين القاضي مأمور بالمشاورة ولو كان عالما لأن ما تذاكر فيه الفقهاء وبحثوا فيه تثق به النفس ما لا تثق بواحد إذا استبد برأيه ولا يمنع من ذلك كونهم مقلدين لاختلافهم في الفتوى فيما ليس بمسطور بحسب ما يظن واحد منه أنه مقتضى أصول المذهب . ابن عطية من لم يستشر أهل العلم والدين فعزله واجب ، وهذا مما لا خلاف فيه . ا هـ . ونقله القرطبي . ابن عبد السلام وبالجملة فإن أقوال الفقهاء دلت على اتفاقهم على المشاورة لا سيما في المشكلات .

الثاني : ابن فرحون ظاهر إطلاقهم المشاورة ، سواء كان عالما بالحكم أم لا ، وفي طرر ابن عات لا يجوز للحاكم أن يشاور فيما يحكم فيه إذا كان جاهلا لا يميز حقا من باطل ، [ ص: 295 ] لأنه إذا أشير عليه وهو جاهل لا يعلم أيحكم بحق أم بباطل ، ولا يجوز له أن يحكم بما لا يعلم أنه الحق ، ولا يحكم بقول من أشار عليه تقليدا حتى يتبين له الحق من حيث تبين للذي أشار عليه ا هـ .

الثالث : قول المصنف وأحضر العلماء أو شاورهم هل على الوجوب أو على الندب ، ظاهر قوله في التوضيح ولم يختلف في وجوب حضورهم ، وما نقله ابن عطية والقرطبي وما تقدم للمازري أنه واجب ، وكذا ابن فرحون ، فإنه عده من الأمور التي تلزم القاضي في سيرته في الأحكام واللزوم أنها يستعمل في الغالب في الوجوب ، وظاهر قول ابن الحاجب لا ينبغي للقاضي أن يثق برأيه ويترك المشاورة أنها مندوبة فتأمله فإني لم أر نصا يشفي الغليل .




الخدمات العلمية