الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولا يتعقب حكم العدل العالم ونقض ، وبين السبب مطلقا ما خالف قاطعا ، أو جلي قياس :

التالي السابق


( ولا يتعقب ) بضم التحتية وفتحها ( حكم ) القاضي ( العدل العالم ) فلا ينظر فيه من ولي بعده لأنه يؤدي للتسلسل وكثرة الخصام ابن رشد القاضي العدل العالم لا تتصفح أحكامه ولا ينظر فيها إلا على وجه التحرير لها إن احتيج للنظر فيها لعارض خصومة . أو اختلاف في حد لا على الكشف والتعقب لها إن سأل ذلك المحكوم عليه ، فتنفذ كلها إلا أن يظهر في شيء منها عند النظر فيه على الوجه الجائز أنه خطأ ظاهر لم يختلف فيه فينقض ذلك ( ونقض ) العدل العالم وجوبا ( وبين ) بفتحات مثقلا ، أي أظهر العدل العالم وجوبا ( السبب ) الموجب لنقضه حكم العدل العالم ( مطلقا ) أي سواء كان الحكم المنقوض حكم الناقض أو حكم غيره اتفاقا في الثاني ، على المشهور في الأول . مطرف إذا حكم القاضي بفسخ قضية نفسه ولم يفسر فسخه فليس ذلك بفسخ . ابن الماجشون إشهاده على الفسخ يكفيه . أصبغ الفسخ الذي لا يكون شيئا حتى يلخص ما خالف ( جلي ) بفتح الجيم وكسر اللام وشد الياء ، أي ظاهر ( قياس ) أي إلحاق أمر بأمر في حكمه لاشتراكهما في علته وجليه ما قطع فيه بنفي الفرق بينهما ، زاد في الذخيرة أو خالف قاعدة قطعية مع سلامة جميع ما تقدم عن معارض راجح . [ ص: 340 ] تنبيهات )

الأول : تبع المصنف في قوله ما خالف قاطعا ابن الحاجب التابع لابن شاس وتعقبه ابن عبد السلام بأنه قد يكون النص غير متواتر يفيد القطع ، ومع ذلك فإنهم قالوا ينقض حكم القاضي إذا خالفه ونقله في توضيحه وأقره . ابن عرفة تعليق ابن الحاجب النقض على ما خالف القاطع لا أعرفه ، ثم نقل كلاما عن المازري وقال عقبه فلم يقصر المازري النقض على القطع ، فقصر ابن الحاجب النقض عليه غير مستند لنص رواية تابعا . ابن شاس متعقب أفاده طفي . البناني قوله ما خالف قاطعا . ابن عرفة والخطأ الموجب لرد حكم العدل العالم فسره اللخمي بما خالف نص آية أو سنة أو إجماع . قلت أو ما ثبت من عمل أهل المدينة لأنه مقدم عند الإمام مالك " رضي الله عنه " على الحديث الصحيح ، وزاد المازري عن الشافعي رضي الله عنه أو قياسا لا يحتمل إلا معنى واحدا والظاهر أنه أشار إلى القياس الجلي الذي لا يشك في صحته . وفي التوضيح قول ابن الحاجب ولا ينقض منها إلا ما خالف القطع نحوه في الجواهر ، ويقتضي أنه لا ينقض ما خالف الظن الجلي وليس بظاهر ، بل قالوا إنه إذا خالف نص السنة غير المتواترة فإنه ينقض ، وهو لا يفيد القطع نقله ابن عبد السلام عن بعضهم ، فيرد على المصنف هنا ما أورده على ابن الحاجب .

الثاني : في تبصرة ابن فرحون نص العلماء على أن حكم الحاكم لا يستقر في أربعة مواضع وينقض ، وذلك إذا وقع على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص الجلي أو القياس . ومثال ذلك كالحكم بأن الميراث كله للأخ دون الجد ، فهذا خلاف الإجماع لأن الأمة على قولين المال كله للجد ومقاسمة الأخ ، أما حرمان الجد بالكلية فلم يقله أحد ، ومثال مخالف القواعد المسألة السريجية وحكم الحاكم بتقرير النكاح فيمن قال إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ثم طلقها ثلاثا أو أقل فالصحيح لزوم الطلاق الثلاث له ، فإذا ماتت أو مات فحكم حاكم بإرث حيهما نقضنا حكمه لأنه على خلاف القواعد لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع المشروط لأن حكمته إنما تظهر فيه ، فإذا كان [ ص: 341 ] الشرط لا يصح اجتماعه مع مشروطه فلا يصح أن يكون في الشرع شرطا ، فلذلك ينقض الحكم في المسألة السريجية ، وهي التي وقع التمثيل بها . ومثال مخالف النص الحكم بالشفعة للجار ، فإن الحديث الصحيح ورد باختصاصها بالشريك ولم يثبت له معارض صحيح فينقض الحكم بخلافه ، ومثال مخالف القياس الحكم بشهادة الكافر فينقض قياسا على نقض الحكم بشهادة المسلم الفاسق بالأولى ; لأن الكافر أشد منه فسوقا وأبعد من المناصب الشرعية .



الثالث : في مختصر ابن الحاجب القياس الجلي ما علم فيه نفي الفارق بين الأصل والفرع قطعا كقياس الأمة على العبد في أحكام العتق كالتقويم على معتق بعضه فيعلم قطعا أن الذكورة والأنوثة فيهما مما لم يعتبره الشارع فيها والقياس الخفي ما يظن نفي الفارق فيه بينهما كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة ، إذ يجوز أن يكون تحريم الخمر لخصوصيتها لا لإسكارها ، ولذا اختلف في قليله . وفي التنقيح للقرافي اختلف في الجلي والخفي فقيل الجلي قياس المعنى ، والخفي قياس الشبه . وقيل الجلي ما تفهم علته كقوله صلى الله عليه وسلم { لا يقضي القاضي وهو غضبان } . وفي شرحه قياس المعنى كقياس الأرز على اللبن في حرمة الربا بجامع الطعم والنبيذ على الخمر بجامع السكر . وقياس الشبه القاضي وغيره هو الذي لا يكون مناسبا في ذاته ويكون مستلزما للمناسب كقولنا في الخل إنه لا يزيل النجاسة لأنه مائع ولا تبنى القنطرة على جنسه ، فلا يجوز أن يزيل النجاسة كالدهن ، فقولنا لا تبنى القنطرة على جنسه ليس مناسبا ، لكنه يشعر بالقلة ، فإن عدم بناء القنطرة عليه يدل على قلته لجريان العادة أن القنطرة لا تبنى إلا على المائع الكثير فما لا تبنى عليه القنطرة من المائع فهو غير كثير ، والطهارة على مقتضى اللطف بالمكلف لا تشرع إلا بما هو كثير متيسر في كل زمان وكل مكان ، فالقلة حينئذ تناسب المنع ، فهذا هو المناسب الذي استلزمه ذلك الوصف الطردي ، وقيل الجلي ما كان ثبوت الحكم فيه في الفرع أولى من ثبوته في الأصل كقياس العمياء على العوراء في امتناع التضحية والضرب على التأفيف في الحرمة .

الرابع : لا ينقض الحكم المخالف لشيء مما ذكر إذا وافق معارضا راجحا كالقضاء [ ص: 342 ] بصحة القراض والقرض والمساقاة والحوالة ونحوها فإنها مخالفة للقواعد وللنصوص العامة والأقيسة الجلية ، ولكن ورد في الترخيص فيها أحاديث صحيحة فقدمت على القواعد والنصوص العامة والأقيسة الجلية وخصصتها .




الخدمات العلمية