الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 336 ] ونبذ حكم جائر ، وجاهل لم يشاور ، [ ص: 337 - 339 ] وإلا تعقب ، ومضى غير الجور

التالي السابق


( ونبذ ) بضم فكسر ، أي طرح وألغي ( حكم ) قاض ( جائر ) أي خارج في حكمه عن الحق عامدا . ابن رشد القاضي الجائر ترد أحكامه دون تصفح وإن كانت مستقيمة في ظاهرها إلا أن تثبت صحة باطنها . ابن الحاجب وهو فسق يرد وإن صادفه الحق فالمشهور فسخه . البرزلي لا يجوز الحكم بالحزر والتخمين .

( و ) نبذ أيضا حكم عدل ( جاهل لم يشاور ) أهل العلم ، ظاهره وإن كان صوابا لكونه بالحدس والتخمين والقضاء بهما باطل . ابن رشد القاضي العدل الجاهل تتصفح أحكامه فما هو صواب أو خطأ فيه خلاف أنفذ ، وما هو خطأ لا خلاف فيه رد . المتيطي القاضي العدل الجاهل الذي عرف أنه لا يشاور فللقاضي الوالي بعده أن يتصفح أحكامه ، فما ألفى منها موافقا للسنة أنفذه ، وما ألفى منها مخالفا لما عليه الناس في بلده إلا أنه قد وافق قول قائل من أهل العلم ، وإن كان ذلك القول لا يعمل به فإنه ينفذه ولا يفسخه وما لم يصادف فيه قول قائل نقضه ولا ينفذه .

ابن محرز إن حكم بالظن والتخمين من غير قصد إلى الاجتهاد في الأدلة فذلك باطل لأن الحكم بالتخمين فسق وظلم وخلاف الحق ويفسخ هذا الحكم هو وغيره إذا ثبت عند غيره أنه على هذا حكم . اللخمي الغرر في الحكم أشد منه في البيع . ابن رشد اختلف في أحكام القضاة الذين لا ترضى أحوالهم ولم يعلموا بالجور في أحكامهم وفي أحكام أهل البدع فقال ابن القاسم وأشهب وابن نافع هي كأحكام الجائر لا يمضي منها إلا ما علم صحة باطنه . وقال أصبغ كأحكام العدل الجاهل يمضي منها ما كان صحيحا في الظاهر أفاده " ق " . الحط قوله ونبذ حكم جائر إلخ ، هذا كما قال القضاة ثلاثة ، الأول الجائر فتنبذ أحكامه [ ص: 337 ] كلها ، أي تطرح وترد ، وسواء كان عالما أو جاهلا ، وظاهره ولو علم أن ما حكم به حق ، والثاني الجاهل ، فإن كان لم يشاور العلماء نبذ حكمه مطلقا أيضا لأن أحكامه كلها باطلة لأنها بالتخمين وإن كان يشاور العلماء تعقبت أحكامه وأمضي منها ما ليس جورا ونبذ الجور ، والثالث العدل العالم فلا تتعقب أحكامه ولا ينظر فيها إلا أن يرفع أحد قضية ويذكر أنه حكم فيها بغير الصواب ، فينظر فيها وتنقض إن خالفت نصا قاطعا أو جلي قياس ا هـ .

طفي لم أر من قال بالنقض في الجاهل مطلقا ، وإن كان صوابا ظاهرا وباطنا لأن الجاهل غير المشاور ، غايته أنهم ألحقوه بالجائر والجائر لا ينقض من أحكامه ما علم صحة باطنه بالبينة العادلة . وعبارة الشارح عن المازري في الجاهل تنقض أحكامه وإن كان ظاهرها الصواب ، وعلى هذا يحمل قول الحط في الجائر ظاهره النقض ، ولو علم أن ما حكم به حق أي علم أن ظاهره حق وإن لم يحمل على هذا فليس بصحيح ، وقال اللخمي إن كان جائرا في أحكامه فلا تجوز أقضيته كلها ، وعلى من ولي بعده أن يردها صوابا كانت أو خطأ لأنه لا يؤمن أن يظهر العدل والصواب وباطن أمره الجور إلا ما علم أن باطن أمره كان صحيحا . زاد البناني أن المراد بالجاهل العدل المقلد كما فسره أبو الحسن ويفيده كلام اللخمي ، وما ذكره المصنف من التفصيل في الجاهل تبع فيه ابن عبد السلام ففي التوضيح على قول ابن الحاجب وأما أحكام الجاهل فيتعقبها ويمضي منها ما لم يكن جورا ما نصه وحكى المازري رواية شاذة أن الجاهل تنقض أحكامه وإن كان ظاهرها الصواب لأنها وقعت منه من غير قصد .

ابن عبد السلام قيد بعضهم ما ذكره المصنف بما إذا كان يشاور أهل العلم في أحكامه وأما إذا كان لا يشاورهم فتنقض كلها لأنه حينئذ حكم بالحدس والتخمين وهو غير صحيح . ا هـ . فاعتمده المصنف مع نقله عن المازري أنها رواية شاذة ، وقد تعقب ذلك الشيخ ابن سعيد في شرحه على هذا المختصر ، فقال ظاهره أن الجاهل غير المشاور أحكامه منقوضة مطلقا ، والمشاور تتصفح أحكامه فيرد الجور ويمضى غيره ، وظاهر [ ص: 338 ] كلام غيره أن التصفح إنما هو في غير المشاور ، ولذا قال في ضيح حكى المازري رواية شاذة أن الجاهل تنقض أحكامه كلها . لأن ما وقع منها صوابا إنما هو من غير قصد ، وهذا التعليل لا يتم في المشاور . ا هـ . وهو كما قال رضي الله تعالى عنه .

ابن رشد القضاة أربعة ،

الأول عدل عالم فأحكامه على الجواز ما لم يتبين فيها الخطأ الذي لم يختلف فيه .

الثاني : عدل جاهل يحكم برأيه ولا يشاور العلماء فتتصفح أحكامه ولا يرد منها إلا الخطأ الذي لا اختلاف فيه .

الثالث : معروف بالجور فأحكامه تنقض كلها ، وحكى فضل عن ابن الماجشون أنها تتصفح كأحكام الجاهل وهو شذوذ .

الرابع : فاسق لم يعلم بالجور في أحكامه أو مبتدع من أهل الأهواء ، فهذا حكم له . ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون يحكم الجائر وحكم له أصبغ بحكم الجاهل . ا هـ . فهذا صريح في خلاف ما عند المصنف . وقال ابن يونس إذا كان عدلا جاهلا كشفت أقضيته فأنفذ صوابها ورد خطؤها الذي لم يختلف فيه . وقال أبو الحسن إذا كان عدلا جاهلا كشفت أقضيته فأنفذ صوابها ورد خطؤها الذي لا اختلاف فيه ، وقال ابن القاسم والأخوان يريد أنها تتعقب من وجه الفقه إلا أن يعلم أنه لم يحكم إلا بعد مشاورة العلماء فلا تتعقب ، ورأى بعض المتأخرين أنه إن كان حكم برأيه أن يرد من أحكامه ما كان مختلفا فيه لأن ذلك منه تخمين وحدس والقضاء بذلك باطل ا هـ .

المتيطي أحكام القضاة عند الإمام مالك رضي الله عنه وجميع أصحابه رضي الله تعالى عنهم على ثلاثة أوجه : عدل عالم ، وعدل مقلد ، ثم قال الوجه الثاني العدل الجاهل الذي عرف منه أنه لا يشاور العلماء ، فللقاضي أن يتصفح أحكامه ، فما ألفى منها موافقا للحق أو مخالفا لما عليه الناس في بلده إلا أنه وافق قول قائل من أهل العلم فإنه ينفذه ، وما لم يصادف قول قائل وكان خطأ نقضه . ا هـ . وقبله ابن هارون مقتصرا عليه . ابن عرفة القاضي العدل الجاهل تتصفح أحكامه فما هو صواب أو خطأ فيه خلاف ينفذ ، وما هو خطأ لا خلاف فيه يرد ونحوه في معين الحكام ، فهذه النقول كلها تدل على خلاف ما جرى عليه المصنف في الجاهل تبعا لابن عبد السلام والله أعلم . [ ص: 339 ]

( وإلا ) أي وإن شاور العلماء ( تعقب ) بضم الفوقية والعين المهملة وكسر القاف حكمه ( ومضى غير الجور ) بفتح الجيم وسكون الواو ونقض الجور منه ، فإن قيل كيف يتعقب حكمه المرتب على إشارة العلماء . قيل القضاء صناعة دقيقة فلا يلزم من معرفة الحكم كيفية إيقاعه ، فقد يعرف الحكم ولا يعرف كيفية إيقاعه فيوقعه في غير موقعه ، وتقدم أن المعتمد أن أحكام الجاهل العدل المشاور لا تتعقب .




الخدمات العلمية