الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 308 ] وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام ، وإلا فالجالب ; وإلا أقرع [ ص: 309 ] فيدعي بمعلوم محقق ، قال : وكذا شيء ، وإلا لم تسمع : كأظن ، [ ص: 310 - 311 ] وكفاه بعت ، وتزوجت ; وحمل على الصحيح ، وإلا فليسأله الحاكم عن السبب

التالي السابق


( وأمر ) بضم فكسر ( مدع ) بضم ففتح مثقلا ، أي أمره القاضي ونعته بنعت كاشف حقيقته فقال ( تجرد ) بفتحات مثقلا ، أي خلا ( قوله عن مصدق ) بضم ففتح فكسر مثقلا ، وصلة أمر ( بالكلام ) ويأمر المدعى عليه بالسكوت حتى يتم كلام المدعي . ابن عرفة المدعي من عريت دعواه عن مرجح غير شهادة ، والمدعى عليه من اقترنت دعواه به ، فقول ابن الحاجب المدعي من تجرد قوله عن مصدق يبطل عكسه بالمدعي ومعه بينته ونحوه لابن شاس ، وفي المقدمات عن ابن المسيب المدعي من قال قد كان ، والمدعى عليه من قال لم يكن ، ومن عرفهما لا يلتبس عليه الحكم . ابن رشد ليس هذا على عمومه في كل موضع ، إنما يصح إذا تجردت دعوى المدعي في قوله قد كان من سبب يدل على صدق دعواه ، فإن كان له سبب يدل على تصديق دعواه أقوى من سبب المدعى عليه القائل لم يكن كمن حاز شيئا عن غير مدة الحيازة . في وجه مدعي الشركة يقبل قوله مع يمينه وهو يقول قد كان ، والمدعى عليه يقول لم يكن ، وكذا المودع يدعي في الوديعة القول قوله وهو يقول قد كان المودع يقول لم يكن .

( وإلا ) أي وإن لم يتبين للقاضي المدعي من المدعى عليه ولم يتفقا على أن أحدهما بعينه مدع والآخر مدعى عليه ( فالجالب ) صاحبه للقاضي هو الذي يؤمر بالكلام أولا لدلالة جلبه على أنه المدعي ( وإلا ) أي وإن لم يعلم الجالب وادعى كل منهما أنه المدعي ( أقرع ) القاضي بينهما ، قاله ابن شعبان ولابن عبد الحكم يقدم أيهما شاء . الشيخ لأشهب في المجموعة إن جلس الخصمان بين يديه فلا بأس أن يقول مالكما أو ما خصومتكما أو يسكت ليبتدياه ، فإن تكلم المدعي أسكت الآخر حتى يسمع حجة المدعي ، [ ص: 309 ] ثم يسكته ويستنطق الآخر ليفهم حجة كل منهما ، ولا يبتدئ أحدهما فيقول ما تقول أو مالك إلا أن يكون علم أنه المدعي ، ولا بأس أن يقول أيكما المدعي ، فإن قال أحدهما أنا وسكت الآخر فلا بأس أن يسأله عن دعواه ، وأحب إلي أن لا يسأله حتى يقر خصمه بذلك ، وإن قال كل منهما للآخر هذا المدعي أقامهما عنه حتى يأتيه أحدهما فيكون هو الطالب ، وقاله أصبغ .

ابن عبد الحكم إن ادعى كل منهما أنه المدعي ، فإن كان أحدهما جلب الآخر فالجالب المدعي ، وإن لم يدر الجالب بدأ بأيهما شاء ، وإن كان أحدهما ضعيفا فأحب إلي أن يبتدئ بالآخر . اللخمي إن صرفهما لدعوى كل منهما أنه الطالب فأبى أحدهما الانصراف بدأ به ، وإن بقي كل منهما متعلقا بالآخر أقرع بينهما ، وإن كان لكل منهما على الآخر طلب وتشاحا في الابتداء أقرع بينهما وقيل الحاكم بالخيار ، واستحب ابن عبد الحكم أن يبتدئ بالنظر لأضعفهما .

وإذا أمر المدعي بالكلام ( فيدعي ) المدعي ( ب ) شيء ( معلوم ) قدره وجنسه وصفته لا مجهول ( محقق ) بضم ففتحتين مثقلا لا مظنون ولا مشكوك ولا موهوم ( قال ) المازري من عند نفسه ( وكذا ) أي المعلوم في صحة الدعوى به ( شيء ) أو حق أو مال ترتب لي في ذمته من بيع أو قرض ، وجهلت قدره لنسيانه بطول مدته ( وإلا ) أي وإن لم يكن معلوما ، بل مجهولا كشيء أو مظنونا ( لم تسمع كأظن ) أن لي عنده كذا ، أو في ظني وأحرى أشك . ابن شاس الدعوى المسموعة هي الصحيحة وهي أن تكون معلومة صحيحة ، فلو قال لي عليه شيء لم تقبل دعواه . ابن عرفة هذا نقل الشيخ عن عبد الملك ونقله المازري عن المذهب قال وعندي لو قال الطالب أتيقن عمارة ذمة المطلوب بشيء أجهل مبلغه وأريد جوابه يذكره مفصلا أو إنكاره جملة لزمه الجواب . ابن شاس وكذلك لو قال أظن أن لي عليك شيئا فلا تقبل دعواه أيضا . [ ص: 310 ] ابن عرفة فاختصره ابن الحاجب بقوله وشرط المدعى به أن يكون معلوما محققا فقبله شارحاه ولم يذكرا فيه خلافا ، وسمع القرينان من دخل بزوجته ثم مات فطلبت صداقها حلف الورثة ما نعلم أنه بقي عليه صداق . ابن رشد فإن نكلوا عن اليمين حلفت الزوجة أنها لم تقبض صداقها واستوجبته لا على أن الورثة علموا أنها لم تقبضه فرجعت هذه اليمين على غير ما نكل عليه الورثة ، ولها نظائر . الحط ابن فرحون الشرط الأول أن تكون معلومة ، فلو قال لي عليه شيء فلا تسمع دعواه لأنها مجهولة قاله ابن شاس ، ولعله يريد إذا كان يعلم قدر حقه وامتنع من بيانه ، وقد قال المازري في هذه الدعوى وعندي أن هذا الطالب لو أيقن بعمارة ذمة المطلوب بشيء وجهل مبلغه وأراد من خصمه أن يجاوبه عن ذلك بإقرار بما ادعى به على وجه التفصيل وذكر المبلغ والجنس لزم المدعى عليه الجواب . أما لو قال لي عليه شيء من فضلة حساب لا أعلم قدره وقامت له بينة أنهما تحاسبا وبقيت له عنده بقية لا علم لهم بقدرها فدعواه في هذه الصورة مسموعة ، وكذلك لو ادعى حقا له في هذه الدار أو الأرض وقامت له بينة أن له فيها حقا لا يعلمون قدره ، فهي دعوى مسموعة وسيأتي كثير من هذا المعنى في باب القضاء بالشهادة الناقصة ا هـ .

فقوله أما إلخ يدل على أن هذا يسمع بلا خلاف ، فهو مخصص لقوله معلوم وقوله بمعلوم محقق نحوه لابن الحاجب ، فأورد عليه ابن عرفة توجيه يمين التهمة بها على القول به ومسائل المدونة وغيرها صريحة في أنه تسمع الدعوى بالمجهول إذا كان لا يعلم قدره ، ففي آخر كتاب الشفعة من المدونة ومن ادعى حقا في دار بيد رجل فصالحه منه ، فإن جهلاه جميعا جاز ذلك ، وإن عرف المدعي دعواه منها فليسمه ، فإن لم يسمه بطل الصلح ولا شفعة فيه ا هـ .

وقال المتيطي في كتاب الصلح لو شهد الشهود للقائم في الدار المقوم فيها بحصة لا يعرفون مبلغها ، ففي كتاب ابن حبيب في رواية مطرف عن مالك رضي الله تعالى عنهما أن يقال للمشهود له سم ما شئت واحلف عليه وخذه ، فإن أبى أخرجت الدار من المطلوب [ ص: 311 ] ووقفت حتى يقر بشيء ، قال مطرف وقد كنا نقول وأكثر أصحابنا إنه إذا لم تعرف الشهود الحصة فلا شهادة لهم ولا يلزم المطلوب شيء حتى قال ذلك مالك رضي الله عنه فرجعنا إلى قوله واستمرت الأحكام على ذلك .

( وكفاه ) أي المدعي في بيان سبب المدعى به قوله ( بعت ) شيئا للمدعى عليه بدينار مثلا ولم أقبضه منه ( و ) كفى قول امرأة مدعية على رجل بصداق وأنكره ( تزوجت ) المدعى عليه بعشرة دنانير ولم أقبضها منه ، قالوا وبمعنى أو ( وحمل ) بضم فكسر البيع أو التزوج الذي أطلقه المدعي ( على ) البيع أو التزوج ( الصحيح ) باستيفاء أركانه وشروطه ، لأنه الأصل والغالب في عقود المسلمين . ابن شاس إذا ادعى في النكاح أنه تزوجها تزوجا صحيحا سمعت دعواه ولا يشترط أن يقوم بولي وبرضاها ، بل لو أطلق سمع أيضا ، وكذا في البيع ، بل لو قال هي زوجتي لكفاه الإطلاق ( وإلا ) أي وإن لم يبين المدعي سبب ما ادعى به ( فليسأله ) أي المدعي ( الحاكم عن السبب ) للمدعى به لاحتمال عدم إيجابه شيئا أصلا كبيع مسلم خمرا أو خنزيرا أو إيجابه أقل من المدعى به كربا .

( تنبيهات )

الأول : الحط ليس من تمام صحة الدعوى أن يذكر السبب . يؤخذ هذا من قول المصنف بعد هذا ولمدعى عليه السؤال عن السبب ، وإذا لم يلزم ذلك فأحرى أن لا يكون من شرط صحتها ذكر تسليم المبيع إذا كان مثليا وهو واضح ، بخلاف الشهادة على ما ذكره ابن فرحون فيما ينبغي له في أداء الشهادة والله أعلم .

طفي فيه نظر ، إذ صحتها متوقفة على ذلك ففي المجموعة عن أشهب إن أبى المدعي أن يذكر السبب ولم يدع نسيانه فلا يسأل المطلوب عن شيء ونحوه في كتاب ابن سحنون . الشارح ووجهه أن السبب الذي يذكره المدعي قد يكون فاسدا فلا يترتب على المدعى عليه بسببه غرامة . ا هـ . وقال ابن عرفة [ ص: 312 ] ظاهر قول المازري ومن نقل عنه توجه دعوى المدعي بإيجاب جوابه خصمه بمجرد قوله لي عند هذا ألف درهم وليس كذلك ، بل لا بد من بيان ما به تقررت له عليه من سلف أو معاوضة أو بت عطية أو عدة . ا هـ . ولا حجة له في قوله ولمدعى عليه السؤال عن السبب ، لأن الأصل أن السائل هو الحاكم ، فإن لم يبينه له فلا تسمع الدعوى ، فإن غفل الحاكم عنه قام المدعى عليه مقامه ، هذا الذي عليه الأئمة كالمتيطي وغيره خلاف ما تقدم عن الشارح ، ففي المتيطية عن ابن حارث يجب على القاضي أن يقول للمدعي من أين وجب لك ما ادعيت به وعلى هذا شرح عج وغيره ، والله أعلم . البناني بل الظاهر ما قاله الحط ، إذ لو أن ذكره من تمام صحة الدعوى ما قبل نسيانه ولبطلت الدعوى إذا لم يذكره ولم يسأل عنه وليس كذلك فيهما ، ولا دليل له في كلام المجموعة لاحتمال أنه لما قويت التهمة بامتناعه عن ذكره بعد السؤال عنه لم يكلف المطلوب بالجواب ، والله أعلم .

الثاني : ابن فرحون الثاني من شروط المدعى به أن يكون مما أقر به المدعى عليه لزمه ، كمن ادعى على رجل بهبة وقلنا إنها تلزم بالقول فيلزم المدعى عليه الجواب ، وإن قلنا بقول المخالف والشاذ عندنا أنها لا تلزم بالقول فلا يلزم المدعى عليه الجواب ، وكذا العدة على عدم لزومها والوصية .

الثالث : ابن فرحون فصل في تصحيح الدعوى والمدعى به أنواع ، فإن كان شيئا معينا وهو بيد المدعى عليه فتصحيح الدعوى أن يبين ما يدعي به ، ويذكر أنه في يد المطلوب بطريق الغصب أو العداء أو الوديعة أو العارية أو الرهن أو الإجارة أو المساقاة أو غير ذلك ، ولا يشترط في المدعي أن يسأل الحاكم النظر بينهما بما يوجب الشرع . الحط قوله أو غير ذلك يدخل فيه قوله ضاع أو سرق مني ولا أدري بماذا وصل إلى هذا الذي هو في يده ، وهذا مستفاد من نصوص أهل المذهب .

الرابع : البناني قوله بمعلوم محقق زاد غير المصنف أن تكون الدعوى معتبرة يتعلق بها غرض صحيح لا تكذبها العادة ، وتكون مما لو أقر بها المدعى عليه تلزمه ، [ ص: 313 ] واحترز بمعتبرة من دعوى نحو القمحة والشعيرة وبغرض صحيح من دعوى أجرة على محرم وبقوله لا تكذبها العادة من دعوى دار بيد حائز يتصرف فيها عشر سنين والمدعي حاضر ساكت ، وبالأخير من دعوى الهبة على عدم لزومها بالقول والوعد كذلك والوصية .

الخامس : اقتضى كلام تت أن فرض المسألة أنه من ادعى شيئا يكفيه في بيان سببه بعت وتزوجت فقط وليس كذلك ، بل فرضها أن من ادعى بيع شيء أو اشتراءه كفاه بعت أو اشتريت ، وكذا من ادعى تزوج امرأة فيكفيه تزوجتها ، ففي الجواهر إذا ادعى في النكاح أنه تزوجها تزوجا صحيحا سمعت دعواه ، ولا يشترط أن يقول بولي وبرضاها ، بل لو أطلق تسمع أيضا . وكذا في البيع ، بل لو قال هي زوجتي لكفاه الإطلاق . ا هـ . وبه شرح " ق " كلام المصنف ، وهكذا فرض المسألة الشارح ، لكن في المتيطي عن ابن حارث يجب على القاضي أن يقول للمدعي من أين وجب لك ما ادعيت به ، فإن قال من بيع أو سلف أو ضمان أو تعد أو شبهة فلا يكلف أكثر من ذلك . ا هـ . فعليه يأتي تقرير تت ، ويلائم قوله وإلا فليسأله إلخ . تت وإن لم يذكر السبب إلخ ، وقال الشارح الذي ذكره الأشياخ أن المدعى عليه هو الذي يسأل المدعي عن السبب ، وإلا يحمل أنه أراد وإن لم يتنبه المدعى عليه لذلك ، فإن الحاكم يقوم مقامه .




الخدمات العلمية