الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 474 - 476 ] وجازت بسماع فشا عن ثقات وغيرهم ; بملك [ ص: 477 ] لحائز متصرف طويلا .

التالي السابق


( وجازت ) الشهادة ( بسماع فشا ) بفتح الفاء والشين المعجمة أي شاع واشتهر وكثر ( عن ثقات ) بكسر المثلثة ، أي من يوثق بكلامهم ويعتمد عليه ( وغيرهم ) ابن عرفة شهادة السماع لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماع غير معين ، فتخرج شهادة البت والنقل بأن يقول الشاهد لم أزل أسمع من الثقات وغيرهم سماه فاشيا كذا ، فإن لم يجمع بينهما لم تصح . طفى الجمع بين الأمرين هو الذي عليه معظم الشيوخ ، وقد صرح به عياض . وقال الباجي شهادة السماع أن يقولوا سمعنا سماعا فاشيا من العدول وغيرهم ، وإلا لم تصح . وقال ابن سهل سماعا فاشيا من أهل العدل وغيرهم ، ونحوه في وثائق ابن سلمون . وقال ابن فتوح شهادة السماع لا تكمل إلا أن يضمن فيها أهل العدل وغيرهم ، على هذا مضى عمل الناس ، وليس يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما عليه أولها ، ونقله ابن عرفة وأقره ، ثم قال فلو اقتصر على كون السماع من أهل العدل دون تسميتهم ففي صحتها نقل الشيخ عن محمد عن أصبغ مع ظاهر نقل ابن فتوح عن المذهب ، ونقله عن بعضهم أنها ليست شهادة سماع ، وإنما هو نقل فيفتقر لتسمية الشهود ، يعني أن السماع من العدول دون تسميتهم مقبول ، لكن اختلف هل هو شهادة سماع أو نقل فيشترط فيه شروطه .

ثم قال ابن عرفة ولو اقتصر على كونه من عموم الناس دون ذكر العدول ففي صحتها بما لا يخرج به من يد نقلا اللخمي قائلا ، وهي فيما يخرج به من يد لغو اتفاقا . وأفتى ابن رشد بصحة شهادة السماع من لفيف الرجال والنساء وإن لم تبد عدالتهم ، وفي اشتراط العدالة في المسموع منهم ثالثها إلا في الرضاع . ا هـ . فعلم أن عدم اشتراط العدالة لا مستند له إلا ما يؤخذ من ظاهر المدونة وغيرهما ، وقيدها أبو الحسن بقول محمد ا هـ . وتجوز الشهادة بالسماع الفاشي ( بملك ) بكسر فسكون . تت مطلق ; لأن الملك لا يكاد يقطع به ، وحاول بعضهم تصويره بمن صاد من فيافي الأرض بحضرة بينة فتشهد [ ص: 477 ] له أنه ملكه على القطع

واعترض باحتمال ندوده من مالك ولحق بالوحش من زمن لم يتوحش فيه فهو باق على ملك الأول ، وصوره آخر بما ملك من غنيمة ونظر فيه باحتمال كونه مال مسلم أودعه لكافر . ابن عرفة صوره بعضهم بملك مشتر لقطة بشهادة الشهود على التقاطها وتعريفها وبيعها بإذن الإمام ، وهذا عجيب ، فإن صور القطع بالملك كثيرة منها الركاز والمعدن الذي أقطعه الإمام وملفوظ البحر الذي لم يتقدم عليه ملك وماؤه المنقول منه وحجر الجبل ، وما نقل من شجر الغابة والموات المحياة . وتشهد بالسماع بملك ( ل ) شخص ( حائز ) بحاء مهملة وهمز وزاي للشيء المشهود له بملكه ( متصرف ) بضم الميم وفتح التاء والصاد المهملة وكسر الراء مثقلة فيه تصرف المالك من غير منازع له فيه زمنا ( طويلا ) طفى لم أر من اشترط في شهادة السماع التصرف سوى المصنف في مختصره هذا وتوضيحه ، فإنه قال في قول ابن الحاجب وتجوز شهادة السماع الفاشي عن الثقات وغيرهم في الملك ما نصه أي المطلق .

قال في الجواهر إنما يشهد بالملك إذا طالت الحيازة وكان يتصرف فيه تصرف الملاك بالهدم ونحوه ، ولا ينازعه أحد ، ولا يكتفي بشهادتهم أنه كان يحوزها حتى يقولوا إنه يحوزها لحقه وأنها ملك له ، وأما من اشترى من سوق المسلمين فلا يجوز أن يشهد له بملكه ; لأنه قد يشتري من غير مالك . ا هـ . وهذا وهم منه رحمه الله تعالى ; لأن كلام الجواهر هذا في الشهادة بالملك على القطع ، وهو كقول المصنف فيما يأتي ، وصحة الملك بالتصرف إلى آخر ما سيأتي وهذا ظاهر من كلامه . وأما شهادة السماع بالملك فقد قال فيه في غائب قدم وادعى دارا في يد حائز فيقيم الذي هي في يده بينة على السماع في تطاول الزمان على أنه اشتراها من أبي هذا القائم أو جده أو ممن صارت إليه عنهم فيثبت له نفاذها بهذه الشهادة . ا هـ . فاشترط الحوز فقط كما ترى وكذا قال غير واحد . وفي المدونة ومن قامت بيده دار خمسين سنة أو ستين سنة ثم قدم رجل كان غائبا فادعاها وأثبت الأصل له أو أقام بينة أنها لأبيه أو جده وثبتت [ ص: 478 ] المواريث حتى صارت له فقال الذي في يده الدار أو أحد من آبائه ابتاعها من القادم أو من أحد آبائه أو ممن ورثه القادم عنه أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا فذلك يقطع حق القادم منها وهي قول المصنف إلا بسماع أنه اشتراها إلخ . وفي ابن يونس ابن المواز تجوز شهادة السماع لمدعي دارا بيد غيره وقد حازها عليه إنما تجوز لمن الدار بيده إذا أثبت الذي يدعيها البينة أنها لأبيه أو جده أو ممن هو وارثه ، وتكون قد قامت بيد حائزها سنين ينقطع فيها العلم فلا يجد من يشهد له إلا على السماع أنا لم نزل نسمع من العدول أن الذي في يده الدار أو أحد من آبائه ابتاعها من القادم أو من أحد ورثها القادم عنه فلذلك يقطع حق القادم . ا هـ . والمالكية مطبقون على التعبير بأن شهادة السماع لا يستخرج بها من يد حائز ، وإنما تجوز للحائز ولم يقولوا للمتصرف ، وهذا ظاهر لمن تأمل وأنصف وعرف الحق بنفسه لا بالرجال ولم يجعل ربقة التقليد في عنقه لكل غث وسمين

والعجب من " ح " والشارح و " ق " وغيرهم كيف تواطئوا على نقل كلام الجواهر هنا تقليدا للتوضيح ولم يتنبهوا لما قلناه مع وضوحه ، وتبعهم عج حتى فسر الطول في قوله وحوز طال بعشرة أشهر ، ولا شك أن ما فسر به مراد صاحب الجواهر ، لكن في الشهادة بالملك على البت كما يأتي للمصنف من قوله وحوز طال كعشرة أشهر ، وأما هنا فكيف يأتي اشتراط الحوز عشرة أشهر مع شرط طول الزمان كالخمسين والستين سنة ما هذا إلا تهافت ، وتقدم عن ابن المواز والمدونة أن الحيازة هنا خمسون سنة أو ستون سنة ونحوها مما ينقطع به العلم وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلا والله الموفق .

والعذر للمصنف رحمه الله تعالى أن صاحب الجواهر تكلم على الشهادة بالملك على البت أثناء شهادة السماع ، فتوهم المصنف أنه من جملة شهادة السماع ، فوقع فيما وقع والكمال لله تعالى .

البناني ووقع لابن مرزوق أيضا أنه قرر كلام المصنف على ظاهره واحتج له بقول المازري ما نصه مما تقبل فيه شهادة السماع الشهادة بالملك المطلق ، فإن الملك لا يكاد [ ص: 479 ] يقطع به ، ويعتمد الشاهد في الشهادة بذلك على وضع اليد عليه والتصرف فيه تصرف المالك في ملكه ، ونسبتها مع ذلك لنفسه وعدم المنازع وطول الحيازة ونحوه في النوادر ، وهو وهم أيضا من ابن مرزوق في فهم كلام المازري ، فإن قوله ويعتمد إلخ إنما هو في شهادة القطع بالملك لا السماع .




الخدمات العلمية