الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وللمقضي عليه مطالبتهما بالدفع للمقضي له وللمقضي له ذلك إذا تعذر من المقضي عليه

التالي السابق


( و ) إن شهدا على شخص بمال وقضي به عليه ثم رجعا به ف ( ل ) لشخص ( المقضي ) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الضاد المعجمة وشد الياء ( عليه ) به بالشهادة التي رجع شاهداها عنها بعد الحكم به وقبل غرمه للمقضي له ( مطالبتهما ) أي الراجعين ( بالدفع ل ) لشخص ( المقضي له ) المال المحكوم به بشهادتهما التي رجعا عنها إذ من حجته أن يقول لهما إذا دفعته أنا رجعت عليكما بعوضه ، فقرار الغرامة عليكما فادفعاه أنتما من أول الأمر قصرا للمسافة وتقليلا للعمل ( وللمقضي له ذلك ) أي مطالبة الشاهدين له الراجعين عن شهادتهما بعد الحكم بالدفع له ( إذا تعذر ) أخذه ( من المقضي عليه ) قاله ابن الحاجب ، وتبعه المصنف لقوله في توضيحه إنه مقتضى الفقه ولأنهما غريمان لغريمه وغريم الغريم غريم ، ثم تعقبه بأنه خلاف ما في الموازية من أن الشاهدين لا يلزمهما الغرم للمشهود [ ص: 531 ] عليه حتى يغرم للمشهود له ، وتعقبه ابن عبد السلام أيضا قائلا لم أعلم من أين نقله إلا أنه يقال على هذا إذا كان الشاهدان في هذا الفرع لا يلزمهما الدفع إلا بعد غرم المقضي عليه ، فهذا مناقض لأصل المسألة أن للمقضي عليه مطالبتها بالدفع للمقضي له قبل غرمه . ابن عرفة وقفه على غرمه إنما هو في غيبته لا مع حضوره ; لأنه في غيبته يمكن أن يكون لو حضر لأقر بالحق المشهود عليه به ، وإذا حضر وطلب غرمهما انتفى هذا الاحتمال ا هـ .

قلت جواب ابن عرفة هذا يحتاج لنقل يعتمد عليه ، ولعل الظاهر في الجواب منع المناقضة بأن أصل المسألة الطلب بالدفع لا الدفع بالفعل المتوقف على دفع المقضي عليه كما يفهم من كلام الموازية الآتي ، لكن يعكر عليه قوله للمقضي له وابن عرفة أيضا بأنه وهم ; لأنه خلاف المنصوص . ابن عرفة الشيخ عن الموازية إن رجعا بعد الحكم بشهادتهما وهرب المقضي عليه قبل الغرم فليس للمقضي له تغريم الراجعين بما يغرمانه للمقضي عليه إذا غرم ما شهدا به عليه ، ولكن ينفذ الحكم عليهما للمقضي عليه ، فإذا أغرم أغرمهما كما لو شهدا بالحق مؤجلا ثم رجعا فلا يرجع عليهما حتى يحل المؤجل ، ويغرم ، وله طلب الحكم له عليهما الآن ولا يغرمان الآن . ابن عبد الحكم للمقضي عليه طلب الشاهدين بدفع المال عنه للمقضي له . وقال أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لا يحكم على الراجعين بشيء حتى يغرم المقضي عليه . وفي هذا تعرض لبيع داره وإتلاف ماله واللذان أوجبا ذلك عليه قائمان أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوسا ولا يغرم الشاهدان ، بل يؤخذان بذلك حتى يخلصاه ، فإن أبيا حبسا معه ، ثم قال وقال ابن الحاجب وللمقضي عليه مطالبتهما قبل غرمه ليغرماه للمقضي له وللمقضي له ذلك إذا تعذر من المقضي عليه . وقيل لا يلزمهما إلا بعد غرم المقضي عليه وضعفه ابن عبد الحكم . قلت قوله عن المذهب وللمقضي له ذلك وهم ; لأنه خلاف المنصوص ، ولو ذكره بعد ذكر المنصوص لأمكن كونه قولا انفرد بمعرفته ، وقوله وقيل لا يلزمهما إلا بعد غرم المقضي عليه إلخ ، ظاهره أنه في [ ص: 532 ] المذهب وهو وهم وما نقله من تضعيفه . ابن عبد الحكم نقله الشيخ حسبما تقدم ، والله أعلم .




الخدمات العلمية