الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 416 ] ولا إن حرص على القبول : كمخاصمة مشهود عليه مطلقا ، أو شهد وحلف ، أو رفع قبل الطلب في محض حق الآدمي ، [ ص: 417 ] وفي محض حق الله تجب المبادرة بالإمكان ; إن استديم تحريمه : كعتق وطلاق ووقف ورضاع ، وإلا خير : كالزنا [ ص: 418 ] بخلاف الحرص على التحمل ، كالمختفي ;

[ ص: 416 ]

التالي السابق


[ ص: 416 ] ولا ) تقبل الشهادة ( إن حرص ) أي اتهم الشاهد بالحرص ( على القبول ) لشهادته ( كمخاصمة ) أي محاكمة الشاهد ل ( مشهود عليه مطلقا ) عن التقييد بكون المشهود به حق آدمي لدلالتها في حق الآدمي على التعصب مع المشهود له والحرص على القبول في حق الله تعالى . المازري مخاصمتهم تدل على الحرص على إنقاذها ، وقد يحملهم ذلك على تحريف أو زيادة فيها . طفى الأولى الإتيان بعام تندرج فيه أفراد المانع ; لأن قوله أو رفع قبل الطلب لا يشمله ما قبله ، وعبارة ابن الحاجب السادس الحرص على الشهادة في التحمل والأداء والقبول ، ثم ذكر الخلاف في الإفراد فالأولى ، ولا إن حرص على الشهادة في الأداء والقبول ، ثم بعد الفراغ من إفرادهما يقول بخلاف الحرص على التحمل . البناني الأولى ولا إن حرص على الشهادة ليشمل الرفع قبل الطلب ; لأنه حرص على الأداء لا على القبول ، إذ القبول فرع الأداء وهو لم يحصل الآن .

( أو ) كمن ( شهد وحلف ) على صحة شهادته فترد لاتهامه بالحرص على قبولها قاله ابن شعبان وظاهره ولو عاميا في التبصرة . وأما الحرص على القبول فهو أن يحلف على صحة شهادته إذا أداها ، وهذا قادح فيه ; لأن اليمين دليل على التعصب وشدة الحرص على نفوذها . ا هـ . وهو ظاهر في أن اليمين القادحة هي الواقعة عند الأداء خلاف ما يقتضيه قول " ز " قدم الحلف على الشهادة أو أخره ، والله أعلم . ولا يخفى أن الحلف عند الأداء صادق بتقديمه عليه وتأخيره عنه ، والله أعلم . ( أو رفع ) الشاهد شهادته للحاكم وأداها له ( قبل الطلب ) لها منه ( في محض ) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة فضاد معجمة أي خالص ( حق آدمي ) أي ما له إسقاطه ، وإن كان لله تعالى فيه حق أيضا بأمره بتوفيته لمستحقه فلا تقبل للاتهام بالحرص على الأداء والتعصب مع المشهود ، نعم يجب عليه أن يعلم صاحب الحق بأنه شاهد له إن كان حاضرا فإن لم يعلمه فروى عيسى عن ابن القاسم أنه مبطل لشهادته الأخوان إلا أن يعلم صاحب [ ص: 417 ] الحق بعلمهم ، وجعله ابن رشد تفسيرا . سحنون لا يكون جرحة إلا في حق الله تعالى ; لأن صاحب الحق إن كان حاضرا فقد ترك حقه ، إن كان غائبا فليس للشاهد شهادة

ويلزم على هذا أنه إن كان حاضرا ولا يعلم أن تلك الرباع له بأن يكون أبوه أعارها أو أكراها لمن هي بيده والولد يعلم أنها لأبيه أن على الشاهد أن يعلم الولد بذلك وإلا بطلت شهادته وعندي أن ذلك إنما يكون جرحة إذا علم أنه إن كتم ولم يعلم بشهادة بطل الحق أو دخل بذلك في مضرة أو معرة ، وأما في غير ذلك فلا يجب الإعلام بها ; لأنه لا يدري لعل صاحب الحق تركه . ( وفي محض حق الله ) وهو ما ليس للمكلف إسقاطه ( تجب المبادرة ) من الشاهد بالرفع للحاكم قبل الطلب ( ب ) حسب ( الإمكان ) فلا يضر التأخير لعذر لا يمكن الرفع معه ، ومحل وجوب المبادرة بالرفع ( إن استديم تحريم ) ارتكاب ( هـ ) أي المشهود به ( كعتق ) لرقيق مع استمرار استيلاء المعتق على المعتق استيلاء المالك على ملكه ( وطلاق ) بائن لزوجة مع دوام معاشرة الزوج لها معاشرة الأزواج ( ووقف ) مع استمرار حياة الواقف الوقف وتصرفه فيه تصرف المالك في ملكه ، وظاهره كالباجي وابن رشد سواء كان على معين أو غيره وقيده بالجواهر بالثاني ( ورضاع ) بين زوجين ( وإلا ) أي وإن لم يستدم تحريمه ( خير ) بضم الخاء المعجمة وكسر التحتية مثقلة الشاهد بين الرفع وتركه ( كالزنا ) غير المستدام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة } ، رواه مسلم . عياض هذا في غير المشهور بالفسق والمعاصي ، وأما هو فقد كره الإمام مالك " رضي الله عنه " وغيره الستر عليه ليرتدع عن فسقه ، ونصه هذا الستر في غير المشتهرين الذين تقدم في الستر وستروا غير مرة فلم يدعوا وتمادوا فكشف أمرهم وقمع شرهم مما يجب ; لأن كثرة الستر عليهم من المهاودة على معاصي الله تعالى ومصافاة أهلها ، وهذا أيضا في كشف معصية انقضت وفاتت

فأما إذا عرف انفراد رجل بعمل معصية أو اجتماع جماعة على [ ص: 418 ] معصية فليس الستر هنا السكوت عليها وتركهم وإياها ، بل يتعين على من عرف ذلك إذا أمكنه تغييرهم عن ذلك بكل حال وإن لم يتفق له ذلك إلا بكشفه لمن يعينه أو السلطان فليفعل . وأما إيضاح حال من يضطر إلى كشفه من الشهود والأمناء والمحدثين فبيان حالهم ممن يقبل منه وينتفع به مما يجب على أهله ، فأما الشاهد فعند طلب ذلك منه أو رؤية الحاكم يقضي بشهادته وقد علم منه ما يسقطها فيجب رفعه . وأما في أصحاب الحديث وحملة العلم المقلدين فيه فيجب كشف أحوالهم السيئة لمن عرفها ممن يقلد في ذلك ويلتفت إلى قوله لئلا يغتر بهم ويقلدوا في دين الله تعالى ، على هذا اجتمع رأي الأئمة قديما وحديثا ، وليس الستر هاهنا بمرغب فيه ولا بمباح ا هـ .

( بخلاف الحرص على التحمل ) للشهادة فلا يقدح فيها ( كالمختفي ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء ، أي المتواري عن المشهود عليه الذي يقر بما عليه سرا فيما بينه وبين مستحقيه . وينكره إذا حضره من يشهد عليه

فإذا اختفى منه عدلان أو سمعا إقراره لصاحبه في الخلوة وضبطاه وشهدا عليه به فالمشهور العمل بشهادتهما عند الإمام مالك " رضي الله عنه " وعامة أصحابه ، ولا يقدح فيهما حرصهما على تحمل الشهادة . ابن الحاجب ففي التحمل كالمختفي لتحملها لا يضر على المشهور . محمد إذا لم يكن المشهود عليه مخدوعا ولا خائفا . خليل قول محمد تتميم للمشهور ، ففي الموازية الإمام مالك " رضي الله عنه " في رجلين قعد الرجل من وراء حجاب يشهدان عليه ، قال إن كان ضعيفا أو مخدوعا أو خائفا فلا يلزمه ويحلف ما أقر إلا لما ذكر وإن كان على غير ذلك لزمه ولعله يقر خاليا ويأبى من البينة فهذا يلزمه ما سمع منه ، قيل فرجل لا يقر إلا خاليا فاقعد له بموضع لا يعلمه للشهادة عليه ، قال لو أعلم أنك تستوعب أمرهما ، ولكني أخاف أن تسمع جوابه لسؤاله ، ولعله قال له سرا إن جئتك بكذا ، أما الذي لي عليك فيقول لك عندي كذا ، فإن قدرت أن تحيط بسرهم فجائز ا هـ . ابن عرفة ابن رشد شهادة المختفي لا خفاء في ردها على القول بلغو الشهادة على إقرار [ ص: 419 ] المقر دون قوله اشهد علي ، وإنما اختلف فيها من أجاز ذلك فمنعها سحنون مطلقا ، ومنهم من كره الاختفاء لتحملها وقبلها إن شهدا بها وهم الأكثر وهو ظاهر قول عيسى هنا . خلاف قول ابن القاسم في تفرقته بين من يخشى أن يخدع لضعفه وجهله وبين من يؤمن ذلك منه ، ولو أنكر الضعيف الجاهل الإقرار جملة لزمته الشهادة عليه ، وإنما يصدق مع يمينه إذا قال أقررت لوجه كذا مما يشبه ا هـ . ودل المشهور هنا على أنه ليس من شرط صحة الشهادة على الإقرار قول المقر اشهد علي ابن عبد السلام في هذا قولان .




الخدمات العلمية