الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْعِلْمُ . وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ مُحِيطٌ بِمَا يَجْرِي مِنْ تُخُومِ الْأَرَضِينَ إِلَى أَعْلَى السَّمَاوَاتِ وَأَنَّهُ عَالِمٌ لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ بَلْ يَعْلَمُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ وَيُدْرِكُ حَرَكَةَ الذَّرِّ فِي جَوِّ الْهَوَاءِ وَيَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَيَطَّلِعُ عَلَى هَوَاجِسِ الضَّمَائِرِ وَحَرَكَاتِ الْخَوَاطِرِ وَخَفِيَّاتِ السَّرَائِرِ بِعِلْمٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهِ فِي أَزَلِ الْآزَالِ لَا بِعِلْمٍ مُتَجَدِّدٍ حَاصِلٍ فِي ذَاتِهِ بِالْحُلُولِ وَالِانْتِقَالِ . إتحاف السادة المتقين (الْعِلْمُ) وَهِيَ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي، وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِكُلِّ وَاجِبٍ، وَكُلِّ مُسْتَحِيلٍ، وَكُلِّ جَائِزٍ، وَهُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ دُونَ سَبْقِ خَفَاءٍ (وَأَنَّهُ) تَعَالَى (عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ) مَوْجُودًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْلُومُ أَوْ مَعْدُومًا، مُحَالًا كَانَ أَوْ مُمْكِنًا، قَدِيمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا، مُتَنَاهِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَنَاهٍ، جُزْئِيًّا كَانَ أَوْ كُلِّيًّا، مُرَكَّبًا كَانَ أَوْ بَسِيطًا (مُحِيطٌ بِمَا يَجْرِي مِنْ تَحْتِ تُخُومِ الْأَرَضِينَ إِلَى أَعْلَى السَّمَوَاتِ) قَالَ تَعَالَى: أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، أَيْ: عِلْمُهُ أَحَاطَ بِالْمَعْلُومَاتِ كُلِّهَا؛ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ الْمُحِيطُ مِنْ أَوْصَافِهِ الْأَزَلِيَّةِ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِالْمَعْلُومَاتِ كُلِّهَا، وَدَلِيلُ هَذِهِ الْإِحَاطَةِ قَوْلُهُ: (لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَوَاتِ) ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ، بَلْ أَطْبَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى (يَعْلَمُ دَبِيبَ) أَيْ: حَرَكَةَ (النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ) ، وَكَيْفَ [لَا] وَهُوَ خَالِقُهَا؟ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، وَإِيرَادُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ تَنْبِيهًا عَلَى كَمَالِ الدِّقَّةِ وَالْخَفَاءِ (وَيُدْرِكُ) بِلَا آلَةٍ (حَرَكَةَ الذَّرِّ) وَهُوَ الْهَبَاءُ الْمُنْتَشِرُ فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ (فِي جَوِّ الْهَوَاءِ وَ) إِنَّهُ تَعَالَى (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) مِنَ السِّرِّ، وَهُوَ مَا يَطْرَأُ وُجُودُهُ فِي ضَمِيرِ صَاحِبِهِ، فَيَعْلَمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِخَاطِرِ صَاحِبِهِ، وَقِيلَ: "أَخْفَى"، فِعْلٌ، أَيْ: وَأَخْفَى ذَلِكَ عَنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ زَادَهُ إِيضَاحًا بِقَوْلِهِ: (وَيَطَّلِعُ عَلَى هَوَاجِسِ الضَّمَائِرِ) هِيَ مَا تَقَعُ فِيهِ (وَحَرَكَاتِ الْخَوَاطِرِ) مِمَّا تَخْطُرُ بِهَا (وَخَفِيَّاتِ السَّرَائِرِ) مِمَّا تُكِنُّهَا فِيهَا (بِعِلْمٍ قَدِيمٍ) مَوْصُوفٍ بِالْقِدَمِ (أَزَلِيٍّ) غَيْرِ مَسْبُوقٍ بِالْعَدَمِ بِحُضُورِهَا عِنْدَهُ بِلَا انْتِزَاعِ صُورَةٍ، وَلَا انْتِقَالٍ وَلَا اتِّصَافٍ بِكَيْفِيَّةٍ (لَا بِعِلْمٍ حَادِثٍ مُتَجَدِّدٍ حَاصِلٍ فِي ذَاتِهِ بِالْحُلُولِ وَالِانْتِقَالِ) ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَالرَّافِضَةُ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ أَقْوَالِهِمْ وَالرَّدُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْقُدْسِيَّةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية