الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
(ذكر البحث عن تحقيق ذلك)

قال التاج السبكي: سمعت الشيخ الإمام الوالد يقول: ما تضمنته عقيدة الطحاوي هو ما يعتقده الأشعري، لا يخالف إلا في ثلاث مسائل. اهـ .

قلت: وكانت وفاة الطحاوي بمصر في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة؛ فهو معاصر لأبي الحسن الشاذلي، وأبي منصور الماتريدي، ثم قال التاج السبكي: وأنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة، لا أستثني أحدا، والشافعية غالبهم أشاعرة، لا أستثني إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال [ ص: 8 ] ممن لا يعبأ الله به .

والحنفية أكثرهم أشاعرة، أعني: يعتقدون عقيدة الأشعري، لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر من غيرهم.وقد تأملت عقيدة أبي جعفر الطحاوي، فوجدت الأمر على ما قال الشيخ الإمام الوالد، وعقيدة الطحاوي زعم أنها الذي عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، ثم تصفحت كتب الحنفية فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبينهم خلاف فيها ثلاث عشرة مسألة، منها معنوي ستة مسائل، والباقي لفظي، وتلك الست المعنوية لا تقتضي مخالفتهم لنا، ولا مخالفتنا لهم منها تكفيرا ولا تبديعا، صرح بذلك الأستاذ أبو المنصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم، وهو غني عن التصريح لوضوحه .

ومن كلام الحافظ الذهبي: الأصحاب كلهم مع اختلافهم في بعض المسائل كلهم أجمعون على ترك تكفير بعضهم بعضا، مجمعون بخلاف من عداهم من سائر الطوائف، وجميع الفرق؛ فإنهم حين اختلفت بهم مستشنعات الأهواء والطرق كفر بعضهم بعضا، ورأى تبريه ممن خالفه فرضا .

قال التاج السبكي: ثم هذه المسائل الثلاثة عشر لم يثبت جميعها عن الشيخ، ولا عن أبي حنيفة -رضي الله عنهما- ولكن الكلام بتقدير الصحة.ولي قصيدة نونية جمعت فيها هذه المسائل، وضممت إليها مسائل اختلفت الأشاعرة فيها مع تصويب بعضهم بعضا في أصول العقيدة ودعواهم أنهم أجمعون على السنة، وقد ولع كثير من الناس بحفظ هذه القصيدة، لاسيما الحنفية، وشرحها من أصحاب الشيخ العلامة نور الدين محمد بن أبي الطيب الشيرازي الشافعي، وهو رجل مقيم في بلاد كبلان، ورد علينا دمشق في سنة سبع وخمسين وسبعمئة، وأقام يلازم حلقتي نحو عام ونصف، ولم أر فيمن جاء من العجم في هذا الزمان أفضل منه، ولا أدين، وأنا أذكر لك قصيدتي في هذا المكان لتستفيد منها في مسائل الخلاف وما اشتملت عليه .


الورد خدك صيغ من إنسان أم في الخدود شقائق النعمان     والسيف لحظك سل من أجفان
فسطا كمثل مهند وسنان     بالله ما خلقت لحاظك باطلا
وسدى تعالى الله عن بطلان




وكذاك عقلك لم يركب يا أخي     عبثا ويودع داخل الجثمان
لكن ليسعد أو ليشقى مؤمن     أو كافر فبنو الورى صنفان



ومنها:


كذب ابن فاعلة يقول بجهله     الله جسم ليس كالجثمان
واعلم بأن الحق ما كانت عليـ     ـه صحابة المبعوث من عدنان
قد نزهوا الرحمن عن شبه وقد     دانوا بما قد جاء في القرآن
ومضوا على خير وما عقدوا مجا     لس في صفات الخالق الديان
وأتت على أعقابهم علماؤنا     غرسوا ثمارا يجتنيها الجاني
كالشافعي ومالك وكأحمد     وأبي حنيفة والرضي سفيان
وكمثل إسحاق وداود ومن     يقفو طرائقهم من الأعيان
وأتى أبو الحسن الإمام الأشعري     ي مبينا للحق أي بيان




ومناضلا عما عليه أولئك الـ     أسلاف بالتحرير والإتقان
ما إن يخالف مالكا والشافعي     ي وأحمد بن محمد الشيباني
لكن يوافق قولهم ويزيده     حسنا وتحقيقا وفضل بيان



ومنها:


والكل معتقدون أن إلهنا     متوحد فرد قديم دان
حي عليم قادر متكلم     عال ولا يعني علو مكان
باق له سمع وإبصار يريـ     ـد جميع ما يجري من الإنسان



إلى أن قال:


يا صاح إن عقيدة النعمان والـ     أشعري حقيقة الإيمان



[ ص: 9 ]

فكلاهما والله صاحب سنة     بهدى نبي الله مقتديان
لا ذا يبدع ذا ولا هذا وإن     تحسب سواه وهمت في الحسبان
من قال إن أبا حنيفة مبدع     رأيا فذلك قائل الهذيان
أو ظن أن الأشعري مبدع     فلقد أساء وباء بالخسران
كل إمام مقتدى ذو سنة     كالسيف مسلولا على الشيطان
والخلف بينهما قليل أمره     سهل بلا بدع ولا كفران
فيما يقل من المسائل عده     ويهون عند تطاعن الأقران
ولقد يؤول خلافها إما إلى     لفظ كالاستثناء في الإيمان
وكمنعه أن السعيد يضل أو     يشقى ونعمة كافر خوان



الأشعري يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وأبو حنيفة يقول: أنا مؤمن حقا، والأشعري يقول: السعيد من كتب في بطن أمه سعيد، والشقي من كتب في بطن أمه شقيا، لا يتبدلان، وأبو حنيفة يقول: قد يكون سعيدا ثم ينقلب والعياذ بالله شقيا، وبالعكس. والأشعري يقول: ليس على الكافر نعمة، وكل ما يتقلب فيه استدراج. وأبو حنيفة يقول: عليه نعمة. ووافقه من الأشاعرة أبو بكر الباقلاني؛ فهو مع الحنفية في هذه، كما الماتريدي معنا في مسألة الاستثناء .

التالي السابق


الخدمات العلمية