الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم يستوعب رأسه بالمسح بأن يبل يديه ويلصق رءوس أصابع يديه اليمنى باليسرى ويضعهما على مقدمة الرأس ويمدهما إلى القفا ، ثم يردهما إلى المقدمة وهذه مسحة واحدة .

التالي السابق


ثم أشار المصنف إلى الفرض الرابع الذي هو مسح الرأس بقوله : (ثم يستوعب رأسه بالمسح) قال الله تعالى : وامسحوا برءوسكم قال ابن هبيرة : اختلفوا في مقدار ما يجزئ فقال أبو حنيفة في رواية عنه : يجزئ قدر الربع منه ، وفي رواية أخرى عنه مقدار الناصية ، وفي رواية ثالثة عنه قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد ، وقال مالك وأحمد في أظهر الروايات عنهما : يجب استيعابه ولا يجزئ سواه ، وقال الشافعي : يجزئ أن يمسح منه أقل ما يقع عليه اسم المسح اهـ (بأن يبل يديه) من الماء (ويلصق رؤوس أصابع اليمنى باليسرى ويضعهما على مقدمة الرأس ويمدهما إلى القفا ، ثم يردهما إلى المقدمة وهذه مسحة واحدة) ، وفي شرح البهجة للعراقي كيفيته أن يضع سبابتيه ملتصقة إحداهما بالأخرى وإبهاميه على صدغيه ويذهب بهما إلى قفاه ، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه ، وهذا في حق من له شعر ينقلب فيمسح في المرة الأولى باطن الشعر المقدم وظاهر المؤخر ، وفي الثانية باطن المؤخر وظاهر المقدم فلو لم يكن على رأسه شعر أو كان ولكنه لطوله لا ينقلب لم يسن العود لعدم فائدته ، فإن عاد لم يحسب ثانية لصيرورة الماء مستعملا بالنسبة إلى المرة الثانية كما ذكره البغوي اهـ ، وقال الرافعي : [ ص: 362 ] ليس من الواجب استيعاب الرأس بالمسح ، بل الواجب ما انطلق عليه الاسم ؛ لأن من أمر يده على هامة اليتيم صح أن يقال : مسح برأسه ، وقال مالك : يجب الاستيعاب ، وهو اختيار المزني وإحدى الروايتين عن أحمد والثانية أنه يجب مسح أكثر الرأس ، وقال أبو حنيفة : يتقدر بالربع ، ثم إن كان يمسح على بشرة الرأس فداك ولا يضر كونها تحت الشعر ، وقال الروياني في التجريد : لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعر ، وإن كان يمسح على الشعر فكذلك يجوز ، وإن اقتصر على مسح شعرة واحدة أو بعضها فلا تقدير ، وعن ابن القاص أنه لا أقل من ثلاث شعرات ، ثم شرط الشعر المسموح أن لا يخرج من حد الرأس ، وهل يشترط أن لا يجاوز منبته ؟ فيه وجهان أصحهما أنه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه ولو غسل رأسه بدلا عن المسح ففي إجزائه وجهان أصحهما أنه يجوز ؛ لأنه مسح وزيادة ، وهو أبلغ من المسح فكان مجزئا بطريق الأولى وهل يكره ذلك ، وإن أجزأ فيه وجهان أظهرهما لا ؛ لأن الأصل هو الغسل والمسح نازل منزلة الرخصة من الشرع ، وإذا عدل إلى الأصل لم يكن مكروها ، وقال النووي في الروضة : قلت : ولا تتعين اليد للمسح ، بل يجوز بأصبع أو خشبة أو خرقة أو غيرها ويجزئه مسح غيره له والمرأة كالرجل في المسح ولو كان له رأسان أجزأه مسح أحدهما وقيل : يجب مسح جزء من كل رأس ، والله أعلم ، ثم قال الرافعي : ولو بل رأسه ولم يمد اليد أو غيرها مما يمسح به على الموضع فهل يجزئه ذلك فيه وجهان أصحهما نعم والثاني ، وهو اختيار القفال الشامي لا يجزئ ؛ لأنه لا يسمى مسحا ولو قطر على رأسه قطرة ولم تجر هي على الموضع فعلى الخلاف ، وإن جرت كفى .



(فصل)

قال الشمني في شرح النقاية : المسح الإصابة قال الشافعي ، وهو رواية عن أحمد الفرض فيه ما يقع عليه اسمه ، وقال مالك وأحمد : جميع الرأس ودليلهم جميعا آية الوضوء ومعنى الباء في برءوسكم للإلصاق وماسح بعض رأسه ومستوعبه كلاهما ملصق المسح برأسه فأخذ الشافعي رحمه الله بالمتيقن وأخذ مالك رحمه الله بالاحتياط وأخذ أبو حنيفة رحمه الله ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما روى مسلم والطبراني عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى الخفين ، وروى أبو داود والحاكم وسكت عنه من حديث أبي معقل قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة ومعلوم أن الناصية ومقدم الرأس أحد جوانبها الأربعة فلو كان مسح الربع ليس بمجزئ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت عليه ولو كان مسح ما دونه مجزئا لفعله صلى الله عليه وسلم ولو مرة في عمره تعليما للجواز اهـ .

وفي شرح المختار الآية مجملة في مسح الرأس ؛ لأنه يحتمل إرادة الجمع وإرادة ما يطلق عليه اسم المسح وإرادة بعضه ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حسر عن عمامته ومسح على ناصيته فصار بيانا للآية وحجة على المخالف والمختار مقدار الناصية ، وهو ربع الرأس لكونه إحدى جوانبه الأربع ، فإن قيل : لم قلت : إنه مجمل في حق المقدار والمجمل ما لا يمكن العمل به قبل البيان ، وقد أمكن العمل به قبل البيان ههنا ؛ لأنه لما كان المراد به مطلق البعض ويخرج عن العهدة بأدنى ما يطلق عليه اسم البعض كما قلنا في الركوع والسجود ؟ قلنا : مطلق البعض غير مراد بالإجماع ؛ إذ ذاك يحصل بغسل الوجه فلا حاجة إلى إيجاب على حدة فعلم أن المراد به بعض مقدر كالثلث أو الربع ، كما قرره المحققون ، فإن قلت : المدعى ربع غير معين والدليل يدل على ربع معين ، وهو الناصية ولم يوافق الدليل المدلول والموافقة شرط بينهما ، كما بين الشهادة والدعوى قلت الحديث يحتمل معنيين التعيين وبيان المقدار ، وقد عرف أن خبر الواحد يصلح مبينا لمجمل الكتاب والبيان إنما يكون في موضع الإجمال ولا إجمال في المحل ؛ لأنه معلوم وهو الرأس وأن الإجمال في المقدار ؛ لأنه الثلث أو الربع قوله عليه السلام يصير بيانا له فقلت : لم سمي المجتهد مفروضا والفرض ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه ويكفر جاحده والاختلاف بين الأئمة يورث الشبهة ؛ ولهذا ألا يكفر جاحد مسح مقدار الناصية قلنا : الجواب عنه بوجهين أحدهما أنه أراد بالمفروض المقدار ؛ لأن الفرض في اللغة عبارة [ ص: 363 ] عن التقدير ، والثاني أراد به المفروض عندنا لا أنه المفروض في نفس الأمر ، كما تقول : إن تعديل الأركان فرض عند أبي يوسف وقراءة الفاتحة فرض عند الشافعي والقعدة على رأس كل شفع في النوافل فرض عند محمد .



(تنبيه)

قال صاحب الينابيع : روي في مسح الرأس عن أصحابنا ثلاث روايات الأولى مقدار الناصية وهي الشعور المائلة إلى الجبهة وهي رواية الكرخي والطحاوي ، وذكر في شرح الطحاوي أن المراد بها إذا بلغت مقدار ثلاث أصابع الثانية مقدار ثلاث أصابع موضوعة من غير مد وهي رواية هشام عن أبي حنيفة الثالثة مقدار ربع الرأس وهي رواية زفر عن أبي يوسف وأبي حنيفة ، فإنهما قالا فيه : لا يجوز حتى يمسح بثلاث أصابع مقدار ثلث الرأس وربعه ، فإن مسح بأصبع واحدة ببطنها وظهرها وجانبيها فقد قال بعض مشايخنا : لا يجزئه والصحيح أنه يجزئه ، وهكذا روي عن أبي حنيفة ، فإذا مسح رأسه بما فوق أذنيه أجزأه على اختلاف الروايات ، وإن مسح تحتهما لا يجزئه ، وإن أصاب رأسه مقدار ثلاث أصابع من ماء المطر أجزأه سواء مسحه باليد أو لم يمسحه ، فإن حلق رأسه أو لحيته بعدما مسح عليه أو مسح على خفه ، ثم قشر موضع مسحه لا يجب عليه أن يمسح ثانيا ، والله أعلم .

وفي المحيط عن محمد : لو وضع ثلاثة أصابع ولم يمدها جاز ، وهذا قياس ظاهر الرواية وعلى قياس رواية الربع والناصية لا يجوز ؛ لأنه أقل من ذلك ، وفي الظهيرية والمسح مقدر بثلاثة أصابع اليد ، وهو الصحيح ، وفي الخلاصة ولو مسح بأصبع أو أصبعين قدر ربع الرأس لا يجوز عند الثلاثة ولو مسح بالإبهام والسبابة إن كان مفتوحا جاز ؛ لأن ما بينهما مقدار أصبع فكأنه مسح بثلاثة أصابع ولو مسح بأصبع وعاد إلى الماء ثلاث مرات جاز ولو مسح بأطراف أصابعه يجوز سواء كان الماء متقاطرا أو لا ، وهو الصحيح ، وفي المحيط لا يجوز إلا إذا كان الماء متقاطرا ؛ لأنه حينئذ ينزل من أصابعه إلى أطرافها ، فإذا مده صار كأنه أخذ ماء جديدا ولو مسح ببلة في اليد باقية عن غسل عضد يجوز وببلة باقية عن مسح عضو أو مأخوذة من عضو مغسول أو ممسوح لا يجوز ، وفي المنتقى : ولو أرسل الماء في وسط رأسه فنزل على وجهه يسقط به فرض المسح وغسل الوجه ، والله أعلم ، ثم إن استيعاب مسح الرأس بالوجه المذكور عند المصنف سنة في المذهبين ودليله ما روت الربيع بنت مسعود أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ قالت : فمسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه . إلا أن عند أبي حنيفة مرة واحدة إذ جاء في رواية هذا الحديث التقييد بمرة واحدة وتظافرت الطرق الصحيحة على ذلك ، وأما ما ورد من التثليث فمحمول على الاستيعاب وحمل تعدد الماء فيه على قلة البلة أو نفادها لا ليكون سنة مستمرة ؛ إذ وضعه على التخفيف بخلاف المضمضة والاستنشاق .




الخدمات العلمية