الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فالقدر الذي يحويه ذلك الكتاب وجنسه من المصنفات هو الذي يرجى نفعه .

فأما الخارج منه فقسمان : أحدهما بحث عن غير قواعد العقائد كالبحث عن الاعتمادات وعن الأكوان وعن الإدراكات وعن الخوض في الرؤية هل لها ضد يسمى المنع أو العمى ، وإن كان فذلك واحد ، هو منع عن جميع ما لا يرى ، أو ثبت لكل مرئي يمكن رؤيته منع بحسب عدده إلى غير ذلك من الترهات المضلات .

والقسم الثاني زيادة تقرير لتلك الأدلة في غير تلك القواعد وزيادة أسئلة وأجوبة وذلك أيضا استقصاء لا يزيد إلا ضلالا وجهلا في حق من لم يقنعه ذلك القدر فرب كلام يزيده الإطناب والتقرير غموضا .

ولو قال قائل : البحث عن حكم الإدراكات والاعتمادات فيه فائدة تشحيذ الخواطر .

والخاطر آلة الدين كالسيف ، آلة الجهاد فلا بأس بتشحيذه كان كقوله : لعب الشطرنج يشحذ الخاطر فهو من الدين أيضا وذلك هوس فإن الخاطر يتشحذ بسائر علوم الشرع ولا ، يخاف فيها مضرة فقد عرفت بهذا القدر المذموم والقدر المحمود من الكلام والحال التي يذم فيها ، والحال التي يحمد فيها والشخص ، الذي ينتفع به والشخص الذي ، لا ينتفع به .

فإن قلت : مهما اعترفت بالحاجة إليه في دفع المبتدعة والآن قد ثارت البدع وعمت البلوى وأرهقت الحاجة فلا بد أن يصير القيام بهذا العلم من فروض الكفايات ، كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق كالقضاء والولاية وغيرهما وما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك والتدريس فيه والبحث عنه لا يدوم ، ولو ترك بالكلية لاندرس وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة ، ما لم يتعلم .

التالي السابق


(فالقدر الذي يحويه هذا الكتاب وحده من المصنفات) يريد به كتاب الاقتصاد (هو الذي يرجى نفعه) للسالك في سبيل الحق (وأما الخارج عنه) أي: عن ذلك القدر، فإنه (فقسمان: أحدهما بحث على غير قواعد العقائد) الإسلامية (كالبحث عن الاعتمادات) ، كقول أبي هاشم: إن الموجب لهوى الثقيل هو الاعتماد دون الحركة، ذكره في مسألة التولد (والأكوان) جمع كون، وهو استحالة جوهر ما إلى ما هو أشرف منه، ويقابله الفساد، وهو استحالة جوهر ما إلى ما هو دونه، ولهم في الكون إطلاقات أخر .

(وعن الإدراكات) في ثبوتها ونفيها ومذهب أهل السنة أن الإدراكات كلها من فعل الله سبحانه، وأنه ليس شيء منها فعلا للإنسان، ولا كسبا له، كما سيأتي بيانه (والخوض أن في الرؤية هل لها ضد يسمى المنع أو العمى، وإن كان فذلك واحد، هو منع عن جميع ما لا يرى، أو ثبت بكل مرئي يمكن رؤيته منع بحسب عدده) هكذا سياق العبارة في غالب النسخ، وفي بعضها: "أو يثبت بكل مرئي"، وفي بعضها: "وإن كان كل واحد هو منع جميع ما يرى أو ثبت لكل مرئي فذلك يمكن رؤيته، منع بحسب عدده، واعلم أن الممنوع بوجود الصمم والعمى معنيان، هما إدراكان للمسموع والمرئي، وأنهما غير ذاته، فإن قالت المعتزلة: العمى والصمم مانعان له عن أن يكون مدركا، قيل: ما معنى منعهما عن كونه مدركا؟ هل هو منع عن نفسه أو عن معنى سواه؟ ولا يجوز أن يكون منعا عن نفسه، فوجب أن يكون المنع إنما وقع عن معنى سواه، وهو إدراك، إذ لا يجوز أن يكون المنع منعا لا عن شيء .

وهذا البحث أورده أبو منصور التميم في كتاب الأسماء والصفات، وسنشير إليه إن شاء الله تعالى (إلى غير ذلك من الترهات) أي: الأباطيل (المضلة) للفهم .

(والقسم الثاني زيادة تقرير) ، وفي بعض النسخ "تقدير" (لتلك الأدلة) العقلية (في غير تلك القواعد وزيادة أسئلة وأجوبة) وشبه تنبعث من الأفكار، وفي بعض النسخ "إسقاط أسئلة" (وذلك أيضا استقصاء لا يزيد) المستقل به (إلا ضلالا) عن الطريق. [ ص: 62 ]

(وجهلا في حق من لم يقنعه ذلك القدر) ولم يكتف به (فرب كلام يزيده الإطناب) هو أداء المقصود بأكثر من العبارة المتعارفة (والتقرير غموضا) وخفاء (ولو قال قائل: البحث عن حكم الإدراكات والاعتمادات فيها فائدة) نافعة، وهي (تشحيذ الخاطر) وتنبيهها عن الغفلة .

(والخاطر آلة الدين) أصل الخاطر لما يتحرك في القلب من رأي أو معنى، ثم سمي محله باسم ذلك، وهو من الصفات الغالبة (كالسيف، آلة للجهاد) أي: بالخاطر تنكشف أسرار أحكام الدين، كما أن السيف تتم به أمور المجاهدين (فلا بأس بتشحيذه) أي: فلأي شيء يمنع من الخوض في القسم الأول مع كونه مفيدا من وجه؟ فأجاب بقوله: (كان) أي: هذا القول (كقوله: لعب الشطرنج يشحذ الخاطر) ويهيئه لتلقي التدبيرات (فهو من الدين) أي: من جملة أموره .

(وذلك هوس) واختلاط (فإن الخاطر يشحذ بسائر علوم الشرع، فلا يخاف فيها مضرة) ثم إن الشطرنج معرب، واختلف في أصله، فقيل: صدرنات، يعني: مئة حيلة، وقيل: صدرنج يعني: مئة تعب، وقيل: شدرنج، أي: صار تعبا .

واختلف في ضبطه، فقيل: بالفتح، وهو المشهور، وقيل: بالكسر، وهو المختار، قال ابن الجواليقي في كتاب ما يلحن فيه العامة: ومما يكسر والعامة تفتحه أو تضمه وهو الشطرنج، بكسر الشين، قال: وإنما كسر ليكون نظير الأوزان العربية، مثل: جردحل؛ إذ ليس في أبنية العرب "فعلل" بالفتح حتى يحمل عليه .

وأما أول من وضعه، ولأي شيء وضعه، وأقوال الأئمة في جواز اللعب به، أو كراهته، فقد ذكره الحافظ السخاوي في "عمدة المحتاج" مستوفى، وأشرنا إلى بعضها في شرحنا على القاموس، ليس هذا محل ذكرها .

(فقد عرفت بهذا) الذي تقدم ذكره (القدر المذموم والقدر المحمود من الكلام) بعد تقريره لذلك في كتاب العلم بنحو مما ذكره هنا (و) عرفت أيضا (الحال الذي يذم فيها، والحال التي يحمد فيها، و) عرفت (الشخص الذي ينتفع به، والذي لا ينتفع به، فإن قلت: مهما اعترفت بالحاجة إليه في دفع المبتدع) ورد شبهه (والآن فقد ثارت البدع) وهاجت (وعمت البلوى) الناس (وأرهقت الحاجة) أي: دنت وقرب وقوعها (فلا بد أن يصير القيام بهذا العلم) والتصدي له (من فروض الكفايات، كالقيام بحراسة الأموال) وحفظها من النهاب (وسائر الحقوق) كذلك .

(وكالقضاء والولاية وغيرهما) من المناصب العامة والخاصة (وما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك) وتعليمه (والتدريس فيه والبحث عنه) والتحقيق فيه (لا يدوم، ولو ترك) الاشتغال به (لاندرس) بمرة، وانمحى أثره، ولقائل أن يقول: لا يحتاج إلى نشره وتعليمه، بل يكتفى منه في رد شبه المبتدعة بما ركز في الجبلة والطباع، فأجاب بقوله (وليس في مجرد الطباع) ولو كانت سليمة (كفاية) تامة (لحل شبه المبتدعة، ما لم يتعلم) ويدأب فيه; لأن أكثر هذا العلم أمور دقيقة نظرية .




الخدمات العلمية