الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الخامس نتفها أو نتف بعضها بحكم العبث والهوس وذلك مكروه ومشوه للخلقة ونتف الفنيكين بدعة وهما جانبا العنفقة .

شهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته ورد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته وأما نتفها في أول النبات تشبها بالمرد فمن المنكرات الكبار فإن اللحيةزينة الرجال فإن لله سبحانه ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحى وهو من تمام الخلق وبها يتميز الرجال عن النساء وقيل في غريب التأويل اللحية هي المراد بقوله تعالى : يزيد في الخلق ما يشاء قال أصحاب الأحنف بن قيس وددنا أن نشتري للأحنف لحية ولو بعشرين ألفا وقال شريح القاضي وددت أن لي لحية ولو بعشرة آلاف وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار والرفع في المجالس وإقبال الوجوه إليه والتقديم على الجماعة ووقاية العرض ، فإن من يشتم يعرض باللحية إن كان للمشتوم لحية وقد قيل : إن أهل الجنة مرد إلا هارون أخا موسى صلى الله عليهما وسلم ، فإن له لحية إلى سرته تخصيصا له وتفضيلا .

السادس تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة للتزين للنساء والتصنع قال كعب يكون في آخر الزمان أقوام يقصون لحاهم كذنب الحمامة ويعرقبون نعالهم كالمناجل أولئك لا خلاق لهم .

السابع الزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغين ، وهو من شعر الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وينتهي إلى نصف الخد وذلك يباين هيئة أهل الصلاح .

التالي السابق


(الخامس نتفها) كلها (أو نتف بعضها بحكم العبث) بها (والهوس) ، أي : خفة العقل ، كما بلي بذلك جماعة وما نقل عن الحريري [ ص: 426 ] صاحب المقامات من العبث بها ونتفها من باب الاضطرار (وذلك مكروه) كراهة التحريم ، كما مال إليه النووي (ومشوه للخلقة) الأصلية ، أي : مغير لها (ونتف الفنيكين بدعة) ، كما قاله صاحب القوت قال : (وهما) مثنى فنيك كأمير (جانبا العنفقة) التي تحت الشفة السفلى (شهد عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه) من الخلفاء الراشدين (رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته) كذا في القوت وذلك ؛ لأنه أتى ببدعة محدثة لم تكن في زمن السلف فزجره برد شهادته (ورد عمر بن الخطاب ) أمير المؤمنين (رضي الله عنه) أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري (قاضي المدينة ) روى عن الشعبي وعنه شعبة وأبو نعيم ووكيع قال أبو حاتم : محله الصدق أخرج له الأربعة توفي سنة 148 (شهادة من كان ينتف لحيته) كذا في القوت إلا أنه قال : شهادة رجل (وأما نتفها في أول الإنبات تشبها بالمرد) جمع أمرد من لا لحية له (فمن المنكرات الكبار) ، وكذا حلقها بالموسى أو إزالتها بالنورة ، وفي سياق النووي نتفها أول طلوعها إيثارا للمرودة وحسن الصورة من أشد المنكرات (فإن اللحى زينة الرجال ) وعلامة الكمال (فإن لله سبحانه) وعبارة القوت قد ذكر في بعض الأخبار أن لله عز وجل (ملائكة يقسمون) ، أي : يحلفون (والذي زين بني آدم باللحى) ، وفي بعض نسخ الكتاب يسبحون بقولهم : سبحان الذي زين (وهي من تمام الخلق) الظاهر (وبها يتميز الرجال من النساء) في ظاهر الخلق وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كث اللحية ، وكذلك أبو بكر ، وكان عثمان رقيق اللحية طويلها ، وكان علي عريض اللحية ، وقد ملأت ما بين منكبيه رضي الله عنهم (وقيل في غريب التأويل اللحية هي المراد بقوله تعالى : يزيد في الخلق ما يشاء) وعبارة القوت ، وقد روينا في بعض تأويل قوله تعالى : يزيد في الخلق ما يشاء قال : اللحى وفيه وجوه كثيرة اهـ قلت : قد ذكر السيوطي في الدر المنثور في تفسير هذه الآية ما نصه أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى : يزيد في الخلق ما يشاء يقول : يزيد في أجنحتهم وخلقهم ما يشاء ، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : الصوت الحسن ، وعند عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الزهري قال : حسن الصوت ، وأخرج البيهقي عن قتادة قال : الملاحة في العينين اهـ .

(وقال أصحاب الأحنف بن قيس ) وعبارة القوت ووصف بعض بني تميم من رهط الأحنف بن قيس رضي الله عنه قال : (وددنا أن نشتري لحية) ، وفي القوت : أنا اشترينا (للأحنف) بن قيس لحية (بعشرين ألفا) ، ولم يذكر حنفه في رجله ولا عوره في عينه ، وذكر كراهية عدم لحيته ، وكان الأحنف رضي الله عنه رجلا عاقلا حليما كريما .

(وقال شريح) بن الحرث (القاضي) أبو أمية الكندي ولاه عمر قضاء الكوفة وولي قضاء البصرة وقتا سمع عمر وعليا وعنه إبراهيم وأبو حصين أخرج له النسائي توفي سنة 78 (وددت أن لي لحية بعشرة آلاف) هكذا أورده في القوت (وكيف تكره اللحية وفيها) خصال نافعة نقلها صاحب القوت عن بعض الأدباء منها (تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار و) منها (الرفع في المجالس وإقبال الوجوه إليه و) منها (التقديم على الجماعة) والتفضيل عليهم (و) منها (وقاية العرض ، فإن من يشتم يعرض باللحية إن كان للمشتوم لحية) ، وفي القوت يعني إذا رأوا شتمه عرضوا له بها فوقت عرضه ، وقال أبو يوسف القاضي : من عظمت لحيته جلت معرفته (وقد قيل : إن أهل الجنة مرد إلا هارون أخا موسى صلى الله عليهما ، فإن له لحية إلى سرته تخصيصا له وتفضيلا) هكذا أورده صاحب القوت ، وفي رواية ذكرها في لسان الميزان إلا موسى فلحيته إلى سرته ، وعند الترمذي من حديث أبي هريرة : أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم ومعنى جرد مرد لا شعر على أبدانهم ولا لحى لهم (السادس تقصيصها كالتعبية) ، أي : يقصها من أطرافها فيجعلها على هيئة التبعية ، وفي سياق النووي تصفيفها (طاقة على طاقة للتزين للنساء والتصنع) ، أي : لتستحسنه النساء وغيرهن (وعن كعب) هو المعروف بالإحبار تقدمت ترجمته قال : (يكون في آخر الزمان أقوام يقصون لحاهم كذنب الحمامة ويعرقبون نعالهم كالمناجل أولئك لا خلاق لهم ) أورده صاحب القوت عن كعب وأبي الخلد أنهما وصفا قوما يكونون في آخر الزمان فساقاه قال : وذكر أيضا عن جماعة أن هذا من أشراط الساعة والمناجل جمع منجل حديدة معوجة آلة [ ص: 427 ] معروفة للحصاد ويروى عن أبي هريرة أن أصحاب الدجال عليهم السيجان شواربهم كالصياصي ونعالهم مخرطمة ، أي : نعالهم لها أعناق طوال مفرقة كالخراطيم والسيجان جمع ساج الطيالس والصياصي القرون (السابع الزيادة فيها) والنقص منها (وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغ ، وهو من شعر الرأس حتى يجاوز عظم اللحى) وذلك هو حد اللحية (أو) أخذ بعض العذار في حلق الرأس ويدخل فيه نتف جانبي العنفقة وهما الفنيكان أو ينقص من العظمين حتى (ينتهي إلى نصف الخدود ذلك) نقصان من اللحية ، وهو (يباين هيئة أهل الصلاح) ، بل هو مثلة فليجتنب ذلك . *




الخدمات العلمية