الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
دائم ، لا انصرام له لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم .

التنزيه .

التالي السابق


(دائم، لا انصرام له) أصل الدوام السكون، ويعبر به عن البقاء، فيقال: الدائم هو الباقي، ويكون الدوام بالضم بمعنى الدوران، ولا يجوز وصف الله بالدائم إلا بمعنى الباقي، فهو من صفاته الأزلية الذاتية، فأما الدائم بمعنى الساكن والدائر فإنما يصح وصفه بذلك على مذهب الكرامية المجسمة والمشبهة الجواربية والهشامية، فإن هؤلاء وصفوه بأنه مماس بالعرش، وأجازوا وصفه بالسكون عليه والانتقال عنه، والحلولية وصفوه بالدوران والانتقال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والانصرام: الانقطاع .

(لم يزل ولا يزال) هو عبارة عن القدم والبقاء، قال الزمخشري في الأساس: قولهم: كان في الأزل قادرا عالما وعلمه أزلي وله الأزلية، مصنوع لا من كلامهم، وكأنهم نظروا إلى لفظ لم يزل .

(موصوفا بنعوت الجلال) أشار به إلى الصفات السلبية، وهي سلب ما يستحيل ويمتنع، لقدوسيته سبحانه، ومنه أيضا قول المصنف في عقيدة أخرى له: لم يزل ولا يزال مقدسا عن كل نقص وآفة، لا يوصف بصفات المحدثين، ولا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين .

(لا يقضى عليه بالانقضاء) أي: لا يحكم عليه به (بتصرم) أي: انقطاع (الآباد) جمع أبد، وهو الدهر الطويل الذي ليس بمحدد (وانقراض الآجال) جمع أجل، وهو المدة أو الوقت (بل هو الأول) قبل كل شيء، بالوجوب وابتدائه بالإحسان (والآخر) بعد كل شيء، برجوع الأمر إليه، وبفضله بالغفران، فللحق الأولية من حيث إنه موجد كل شيء، وله الآخرية من حيث رجوع الأمر كله إليه، وظهور مراتب الإلهية كلها فيما بين الأولية والآخرية .

قال المصنف في "المقصد الأسنى": اعلم أن الأول يكون أولا بالإضافة إلى شيء، وأن الآخر يكون آخرا بالإضافة إلى شيء، وهما متناقضان؛ فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه بالإضافة إلى شيء واحد أولا وآخرا جميعا، بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود لاحظت سلسلة الموجودات المترتبة، فالله تعالى بالإضافة إليها أول؛ إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه، وأما هو فموجود بذاته، ما استفاد الوجود من غيره، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت مرتبة السائرين إليه فهو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين، وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفته، والمنزل الأقصى هي معرفة الله تعالى، فهو آخر بالإضافة إلى السلوك إليه، وأول بالإضافة إلى الوجود، فمنه المبدأ أولا، وإليه المرجع والمصير آخرا (والظاهر) بنفسه لنفسه، والمظهر لغيره، ولكمال ظهوره وجلالة بروزه أورثت شدة ظهوره خفاء، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن الأبصار والعقول لشدة ظهوره (والباطن) عن خلقه، فلم يزل باطنا، فهو الظاهر بالكفاية، والباطن بالعناية، وقال المصنف في "المقصد الأسنى": هذان الوصفان أيضا من المضافات، فإن الظاهر يكون ظاهرا من وجه، وباطنا من وجه، فلا يكون من وجه واحد ظاهرا وباطنا، بل يكون ظاهرا من وجه، وبالإضافة إلى إدراك، وباطنا من وجه آخر، وبالإضافة إلى إدراك فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى إدراكات، والله سبحانه وتعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال، ظاهر إن طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال. اهـ .

وهذه الأسماء الأربعة مع ما تقدم من كونه واحدا فردا صمدا متفردا قديما دائما أزليا قيوما، عبارة عن معنى ذاته على الوصف الذي يستحقه بنفسه، وفي الأخير خلاف؛ لاختلافهم في تفسيره; ولذا عده بعضهم في القسم الذي يفيد الخبر عن أفعاله (التنزيه) وهو تبرئة الله -عز وجل- عما لا يليق بجلاله وقدسه من كل عيب ونقص، ومن كل صفة لا كمال فيها ولا نقصان على قول، والفرق بين العيب والنقص بالعموم والخصوص [ ص: 24 ] فكل عيب نقص، وليس كل نقص عيبا، كفوات الكمال أو كمال الكمال، وضد العيب السلامة، وضد النقص التمام والكمال، والمراد تنزيه الله عن هذه الثلاثة في ذاته وصفاته وأفعاله، أما الذات فيجب أن يسلب عنها الثلاثة: عيب الحدوث والتكثر والجوهرية والعرضية والجسمية والافتقار إلى الموجد والموجب، وكذا من النقص الذي يعتري الحادثات، ومن كل صفة لا كمال فيها ولا نقصان، فإن إثبات ذلك من الإلحاد في الأسماء، وكذلك يجب سلب ذلك عن الصفات والأفعال، هذا على طريق الإجمال، وقد اشتمل سياق المصنف الآتي على جمل من ذلك بالرموز والإشارات، وأما تنزيهه عن عيب الحدوث في ذاته فقد أشار به آنفا بقوله: قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، أي: لا أول لوجوده، ومن كان كذلك لا يجوز عليه الحدوث .




الخدمات العلمية