الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأما في بلاد تقل فيها البدعة ولا تختلف فيها المذاهب فيقتصر فيها على ترجمة الاعتقاد الذي ذكرناه ولا يتعرض للأدلة ويتربص وقوع شبهة فإن وقعت ذكر بقدر الحاجة فإن كانت البدعة شائعة وكان يخاف على الصبيان أن يخدعوا فلا بأس أن يعلموا القدر الذي أودعناه كتاب الرسالة القدسية ليكون ذلك سببا لدفع تأثير مجادلات المبتدعة إن وقعت إليهم وهذا مقدار مختصر وقد أودعناه هذا الكتاب لاختصاره فإن كان فيه ذكاء وتنبه بذكائه لموضع سؤال أو ثارت في نفسه شبهة فقد بدت العلة المحذورة وظهر الداء فلا بأس أن يرقى منه إلى القدر الذي ذكرناه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد ، وهو قدر خمسين ورقة وليس فيه خروج عن النظر في قواعد العقائد إلى غير ذلك من مباحث المتكلمين .

فإن أقنعه ذلك كف عنه وإن لم يقنعه ذلك فقد صارت العلة مزمنة والداء غالبا والمرض ساريا فليتلطف به الطبيب بقدر إمكانه وينتظر قضاء الله تعالى فيه إلى أن ينكشف له الحق بتنبيه من الله سبحانه أو يستمر على الشك والشبهة إلى ما قدر له .

التالي السابق


(وأما في بلاد تقل فيها البدعة ولا تختلف فيها المذاهب) بل يكونون على مذهب واحد، فإن غالب التعصبات إنما يثور من اختلاف المذاهب (فيقتصر فيها على ترجمة الاعتقاد) المختصر (الذي ذكرناه) آنفا (ولا يتعرض للأدلة) أي: العقلية، أو مطلقا (ويتربص) أي: ينتظر (وقوع شبهة) عرضت له على جزء من جزئيات الاعتقاد، (فإن وقعت ذكر) الأدلة (بقدر الحاجة) بشرط ألا يوغل فيه غاية الإيغال، وإن اقتصر على أدلة القرآن كفي وشفي (وإن كانت البدعة شائعة) أي: ظاهرة منتشرة (وكأن يخاف على الصبيان) والأطفال (أن يخدعوا) بها (فلا بأس أن يعلموا القدر الذي أودعناه كتاب الرسالة القدسية) الآتي ذكرها في الفصل الثالث من هذا الكتاب (ليكون ذلك سببا لدفع تأثير مجادلات المبتدعة إن وقعت إليهم) أي: إن فرض وقوعها .

فما في الرسالة القدسية من الأدلة القرآنية والعقلية كفاية في الرد على المخالفين، كما سيأتي ذلك (وهو مقدار مختصر) في أوراق يسيرة (وقد أودعناه هذا الكتاب) في الفصل الثالث (لاختصاره) وجمعه؛ (فإن كان فيه ذكاء) وتوقد ذهن بالاستطلاع على الغوامض (وتنبه بذكائه لموضع سؤال) [ ص: 61 ] يرد عليه (أو ثارت في نفسه شبهة) عرضت له (فقد بدت العلة المحذورة) منها (وظهر الداء) بعد كونه (فلا بأس أن يترقى منه إلى القدر الذي ذكرناه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، وهو قدر خمسين ورقة) وقد يكون أزيد أو أقل بحسب الخطوط والمساطر، وهو كتاب جليل مر ذكره في شرح خطبة الكتاب، وشرحه غير واحد من الأئمة .

(وليس فيه خروج عن النظر في قواعد العقائد إلى غير ذلك من مباحثة المتكلمين) ، بل الأدلة المذكورة فيه دائرة بين قرآنية وحديثية وعقلية، وليس فيها تعرض للمباحث العويصة (فإن أقنعه ذلك) وكفاه (كف عنه) ولم يدعه يخوض في المطولات (وإن لم يشفه ذلك) بل زاد (فقد) عسر علاجه; لأنه (صارت العلة) فيه (مزمنة) وصار (الداء غالبا) على قلبه (والمرض ساريا) في جسمه (فليتلطف به الطبيب بقدر إمكانه) إذ علم الكلام راجع إلى علم معالجة المرضى بالبدع، كما قاله المصنف في "إلجام العوام" .

(وينتظر قضاء الله تعالى فيه إلى أن ينكشف له الحق) بارتفاع المانع (بتنبيه من الله سبحانه) بنفث يلقى في روعه، أو إلهام، أو غير ذلك (أو يستمر على) ما رسخ فيه من (الشك والشبهة إلى ما قدر له) من الأزل وفي "إلجام العوام" للمصنف: فإن قيل: إذا فرضنا عاميا مجادلا لجوجا ليس مقلدا ولا يقنعه التقليد ولا أدلة القرآن ولا الأقاويل الجلية المقنعة، فماذا يصنع به؟ قلنا: هذا مريض مال طبعه من صحة الفطرة الأصلية، فينظر في شمائله، فإن وجد اللجاج والجدل غالبا عليه وعلى طبعه، لم نجادله، وطهرنا وجه الأرض منه إن كان يجادلنا في أصل من الإيمان، وإن تفرسنا بالقرائن مخايل الرشد والقبول لو جاوزنا به من الكلام الظاهر إلى تدقيق الأدلة، عالجناه بما قدرنا عليه من ذلك، وداويناه بالجدال المسدد والبراهين الجلية، وترخيصنا في هذا المقدار من المداواة لا يدل عن فتح الباب في الكلام مع الكافة، فإن الأدوية تستعمل في حق المرضى، وهم الأقلون، وما يعالج به المريض بحكم الضرورة يجب عليه أن يوقى عنه الصحيح، والفطرة الصحيحة الأصلية تعد لقبول الإيمان دون المجادلة، وتحرير حقائق الأدلة، وليس الضرر في استعمال الداء مع الأصحاء بأقل من الضرر في إهمال المداواة مع المرضى، فليوضع كل شيء في محله. اهـ .




الخدمات العلمية