الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْكَلَامُ . وَأَنَّهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ آمِرٌ نَاهٍ وَاعِدٌ مُتَوَعِّدٌ بِكَلَامٍ أَزَلِيٍّ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْخَلْقِ فَلَيْسَ بِصَوْتٍ يَحْدُثُ مِنْ انْسِلَالِ هَوَاءٍ أَوِ اصْطِكَاكِ أَجْرَامٍ ، وَلَا بِحَرْفٍ يَنْقَطِعُ بِإِطْبَاقِ شَفَةٍ أَوْ تَحْرِيكِ لِسَانٍ . إتحاف السادة المتقين (الْكَلَامُ) وَهِيَ الصِّفَةُ السَّادِسَةُ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي، وَهِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، تَتَعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ، وَهُوَ كُلُّ وَاجِبٍ، وَكُلُّ مُسْتَحِيلٍ، وَكُلُّ جَائِزٍ، لَا تَقْبَلُ الْعَدَمَ، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ السُّكُوتِ، وَلَا التَّجْدِيدَ، وَلَا الْبَعْضَ، وَلَا الْكُلَّ، وَلَا التَّقْدِيمَ، وَلَا التَّأْخِيرَ، وَلَا اللَّحْنَ، وَلَا الْإِعْرَابَ، وَلَا الْحَرْفَ، وَلَا الصَّوْتَ، وَلَا سَائِرَ أَنْوَاعِ التَّغَيُّرَاتِ، فَقَالَ: (وَإِنَّهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ) لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ لِأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ وَالْمِلَلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى كَلَامِهِ تَعَالَى وَحَقِيقَتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (آمِرٌ نَاهٍ) مُخَاطِبٌ قَائِلٌ مُخْبِرٌ (وَاعِدٌ مُتَوَعِّدٌ) أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى أَنَّ كَلَامَهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ وَخِطَابٌ، وَهَذَا بِحَسَبِ الْمُتَعَلِّقِ؛ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِتَحْصِيلِ الْفِعْلِ فَأَمْرٌ، أَوْ بِالْكَفِّ عَنْهُ فَنَهْيٌ، وَبِوُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لَا وُقُوعِهَا فَخَبَرٌ، وَأَمَّا النِّدَاءُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ فَالْكُلُّ رَاجِعٌ إِمَّا إِلَى الْخَبَرِ، أَوْ إِلَى الطَّلَبِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ نَاطِقٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْعِبَارَةِ، وَخَالَفَهُمْ طَوَائِفُ فِي أُصُولِ هَذَا الْبَابِ وَفُرُوعِهِ، وَدَلِيلُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُتَحَدِّثِ عَلَى إِثْبَاتِ الْكَلَامِ لَهُ تَعَالَى قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَأَمَّا الصُّوفِيُّ فَيَقُولُ: الْكَلَامُ صِفَةٌ كَمَالِيَّةٌ، إِذْ مَرْجِعُ ذَلِكَ الْإِنْبَاءُ عَنِ الشَّيْءِ، وَكُلُّ الْأَشْيَاءِ قَابِلَةٌ لِلْإِنْبَاءِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلَى كَمَالِهَا، وَحُصُولُهَا عَلَى الْكَمَالِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِحَيْثُ لَا تَرْتَفِعُ لِنَقِيضِهَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ، فَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَهُ تِلْكَ الصِّفَةُ الْكَمَالِيَّةُ؛ إِذْ هُوَ الَّذِي لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . (بِكَلَامٍ أَزَلِيٍّ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ) ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمُشْتَقِّ لِلشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ (لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْخَلْقِ) ؛ إِذْ كَلَامُ الْخَلْقِ كُلُّهُ عَرَضٌ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِجِسْمٍ وَلَا عَرَضٍ، ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ عَدَمِ شَبَهِهِ كَلَامَ الْخَلْقِ، فَقَالَ: (فَلَيْسَ بِصَوْتٍ يَحْدُثُ مِنْ بَيْنِ انْسِلَالِ هَوَاءٍ أَوِ اصْطِكَاكِ أَجْرَامٍ، وَلَا بِحَرْفٍ يَتَقَطَّعُ بِإِطْبَاقِ شَفَةٍ أَوْ تَحَرُّكِ لِسَانٍ) فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ كَلَامِ الْخَلْقِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: الْكَلَامُ كُلُّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ، وَلَا مِنْ جِنْسِ الْأَصْوَاتِ، بَلِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ دَلَالَاتٌ عَلَى الْكَلَامِ الْقَائِمِ بِنَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَهُمْ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَشَاعِرَةِ: إِنَّ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ; لِأَنَّهُ تَكُونُ لَهَا مَخَارِجُ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِحُرُوفٍ وَلَا أَصْوَاتٍ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِمَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ وَالْبَغْدَادِيُّ: وَبِهِ نَقُولُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ جَوَازُ سَمَاعِ مَا لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، أَيْ: فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يُوصَفُ بِأَوْصَافِ الْحَوَادِثِ، وَكَيْفِيَّتُهُ مَجْهُولَةٌ لَنَا، كَمَا لَا نُحِيطُ بِذَاتِهِ وَبِجَمِيعِ حَقَائِقِ صِفَاتِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُوضَ فِي الْكُنْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ لِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية