الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَأَنْ يُؤْمِنَ بِالْحِسَابِ وَتَفَاوُتِ النَّاسِ فِيهِ إِلَى مُنَاقَشٍ فِي الْحِسَابِ وَإِلَى مُسَامَحٍ فِيهِ وَإِلَى مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ فَيَسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ، وَمَنْ شَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ عَنْ تَكْذِيبِ الْمُرْسَلِينَ وَيَسْأَلُ الْمُبْتَدِعَةَ عَنِ السُّنَّةِ وَيَسْأَلُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْأَعْمَالِ . وَأَنْ يُؤْمِنَ بِإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ الِانْتِقَامِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي جَهَنَّمَ مُوَحِّدٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ مُوَحِّدٌ . . إتحاف السادة المتقين (وَأَنْ يُؤْمِنَ بِالْحِسَابِ) ، جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَفَعَهُ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، وَهُوَ تَوْقِيفُ اللَّهِ عِبَادَهُ قَبْلَ الِانْصِرَافِ مِنَ الْحَشْرِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ هَذِهِ الْأُمَّةُ (وَتَفَاوُتِ النَّاسِ فِيهِ إِلَى مُنَاقَشٍ فِي الْحِسَابِ) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ"، قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ؟ قَالَ: "ذَلِكَ الْعَرْضُ"، (وَإِلَى مُسَامَحٍ فِيهِ) كُلُّ ذَلِكَ بِكَيْفِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنْهُ الْيَسِيرُ وَالْعَسِيرُ وَالسِّرُّ وَالْجَهْرُ وَالتَّوْبِيخُ وَالْفَضْلُ وَالْعَدْلُ (وَإِلَى مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ) كَالسَّبْعِينَ أَلْفًا (وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ) وَأَفْضَلُهُمْ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَا يُحَاسَبُ؛ لِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "النَّاسُ كُلُّهُمْ يُحَاسَبُونَ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَقِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ"، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ"، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حِزَامٍ: "وَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا"، زَادَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ: قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ؟ قَالَ: "قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ رَجُلٍ سَبْعِينَ أَلْفًا"، قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ؟ قَالَ: "قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي هَكَذَا"، وَفَرَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، الْحَدِيثَ . (فَيَسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَمَنْ شَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ عَنْ تَعْذِيبِ الْمُرْسَلِينَ) ، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: "يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ"، الْحَدِيثَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ: "يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟"، الْحَدِيثَ . (وَيَسْأَلُ الْمُبْتَدِعَةَ عَنِ السُّنَّةِ) فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى شَيْءٍ إِلَّا وَقَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَازِمًا لِدَعْوَةِ مَا دَعَا إِلَيْهِ، وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلًا". (وَيَسْأَلُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْأَعْمَالِ) قَوْلًا كَانَتْ أَوْ فِعْلًا أَوِ اعْتِقَادًا، مَكْسُوبَةً أَوْ لَا، بَعْدَ أَخْذِهَا كُتُبَهَا، خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا، تَفْصِيلًا لَا بِالْوَزْنِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ"، الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي الصَّلَاةِ (وَأَنْ يُؤْمِنَ بِإِخْرَاجِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ) هِيَ دَارُ عَذَابٍ بِجَمِيعِ طِبَاقِهَا السَّبْعِ، وَلَا جَمْرَ لَهَا سِوَى بَنِي آدَمَ وَالْأَحْجَارِ الْمُتَّخَذَةِ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: وَكَذَا أَحْجَارُ الْكِبْرِيتِ لِشِدَّةِ اتِّقَادِهَا (بَعْدَ الِانْتِقَامِ) ، وَلَا يَدُومُ عَذَابُهُمْ مُدَّةَ بَقَائِهِمْ، بَلْ يَمُوتُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَحْظَةً مَا، يَعْلَمُ اللَّهُ مِقْدَارَهَا، فَلَا يَحْيَوْنَ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا . (حَتَّى لَا يَبْقَى فِي جَهَنَّمَ) وَهِيَ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِنَ النَّارِ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا الْعُصَاةُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ هِيَ الَّتِي تُخْلَى، وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَلَا تُخْلَى مِنْ أَهْلِهَا مُعَذَّبِينَ فِيهَا تَخْلِيدًا كَتَخْلِيدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَنْبُتُ عَلَى شَفِيرِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا فِيمَا قِيلَ الْجِرْجِيرُ، (مُوَحِّدٌ) بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ: "حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "وَيَأْتِي عَلَى النَّارِ زَمَانٌ تَخْفِقُ الرِّيَاحُ أَبْوَابَهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ -يَعْنِي مِنَ الْمُوَحِّدِينَ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا- فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِيهَا أَحَدٌ غَيْرُ الْكُفَّارِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية