الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَوَظَائِفهَا وَبِمَا يَسْرِي إِلَيْهِ مِنْ مُشَاهَدَةِ الصَّالِحِينَ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَسِيمَاهُمْ وَسَمَاعِهِمْ وَهَيْآتِهِمْ فِي الْخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْخَوْفِ مِنْهُ وَالِاسْتِكَانَةِ لَهُ فَيَكُونُ أَوَّلِ التَّلْقِينِ ، كَإِلْقَاءِ بَذْرٍ فِي الصَّدْرِ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَسْبَابُ كَالسَّقْيِ وَالتَّرْبِيَةِ لَهُ حَتَّى يَنْمُوَ ذَلِكَ الْبَذْرُ يَقْوَى وَيَرْتَفِعَ شَجَرَةً طَيِّبَةً رَاسِخَةً أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْرَسَ سَمْعُهُ مِنَ الْجَدَلِ وَالْكَلَامِ غَايَةَ الْحِرَاسَةِ فَإِنَّ مَا يُشَوِّشُهُ الْجَدَلُ أَكْثَرُ مِمَّا يُمَهِّدُهُ وَمَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُهُ بَلْ تَقْوِيَتُهُ بِالْجَدَلِ تُضَاهِي ضَرْبَ الشَّجَرَةِ بِالْمِدَقَّةِ مِنَ الْحَدِيدِ رَجَاءَ تَقْوِيَتِهَا بِأَنْ تَكْثُرَ أَجْزَاؤُهَا وَرُبَّمَا يُفَتِّتُهَا ذَلِكَ وَيُفْسِدُهَا ؛ وَهُوَ الْأَغْلَبُ . وَالْمُشَاهَدَةُ تَكْفِيكَ فِي هَذَا بَيَانًا فَنَاهِيكَ بِالْعِيَانِ بُرْهَانًا . إتحاف السادة المتقين (وَ) مِنْ (وَظَائِفِهَا) اللَّائِحَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، فَمَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ، أَيْ: وَجْهُ قَلْبِهِ (وَبِمَا يَسْرِي إِلَيْهِ مِنْ) بَرَكَاتِ (مُشَاهَدَةِ الصَّالِحِينَ) مِنْ عِبَادِ اللَّهِ (وَمُجَالَسَتِهِمْ) وَمُلَاحَظَتِهِمْ وَمُؤَانَسَتِهِمْ وَآدَابِهِمْ (وَسِيمَاهُمْ) الظَّاهِرِ الْمَعْمُورِ بِالْأَنْوَارِ (وَهَيْئَاتِهِمْ) فِي حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ (فِي الْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى) بِسُكُونِ الْجَوَارِحِ، وَتَلَقِّي الْوَارِدَاتِ الْإِلَهِيَّةِ (وَالْخَوْفِ مِنْهُ) وَالِاسْتِشْعَارِ بِهَيْبَتِهِ (وَالِاسْتِكَانَةِ) أَيْ: التَّذَلُّلِ وَشَغْلِ اللِّسَانِ بِذِكْرِهِ، وَحِفْظِ الْقَلْبِ عَنْ حُضُورِ مَا سِوَاهُ فِيهِ (فَيَكُونُ مِنْ أَوَّلِ الْيَقِينِ، كَإِلْقَاءِ بَذْرٍ فِي) أَرْضِ (الصَّدْرِ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَسْبَابُ) الْمَذْكُورَةُ بِجُمْلَتِهَا (كَالسَّقْيِ وَالتَّرْبِيَةِ لَهُ) ، فَشَوَاهِدُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ لِذَلِكَ الْبَذْرِ، وَمِنْهَا حَيَاتُهُ الْأَصْلِيَّةُ؛ إِذْ لَوْلَاهَا لَذَوَى، وَأَنْوَارُ الْعِبَادَاتِ وَمُجَالَسَةُ الْأَخْيَارِ بِمَنْزِلَةِ التَّرْبِيَةِ لَهُ بِحِفْظِهِ عَمَّا يَضُرُّهُ (حَتَّى يَنْمُوَ ذَلِكَ الْبَذْرُ) نُمُوًّا ظَاهِرًا (وَيَقْوَى) أَصْلُهُ (وَيَرْتَفِعَ) عَلَى سَاقِ الْمَتَانَةِ (شَجَرَةً طَيِّبَةً) نَافِعَةً (رَاسِخَةً) قَوِيَّةً (أَصْلُهَا ثَابِتٌ) فِي أَرْضِ الْقَلْبِ (وَفَرْعُهَا) الزَّاكِي مُرْتَفِعٌ (فِي السَّمَاءِ) نَجْتَنِي مِنْهَا ثَمَرَاتِ الْمَعَارِفِ وَالِاهْتِدَاءِ، (وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْرَسَ) أَيْ: يُصَانَ (سَمْعُهُ) فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ (مِنْ) طُرُقِ (الْجِدَالِ) وَالْمُخَاصَمَاتِ (وَالْكَلَامِ) وَالْمُنَاقَضَاتِ (غَايَةَ الْحِرَاسَةِ) عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ . (فَإِنَّ مَا يُشَوِّشُهُ الْجَدَلُ) وَالْكَلَامُ (أَكْثَرُ مِمَّا يُمَهِّدُهُ) وَيُوَطِّنُهُ (وَمَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُهُ) ؛ نَظَرًا إِلَى مَا يُودِعُ فِي قَلْبِهِ شُبَهًا لِلْخُصُومِ، فَرُبَّمَا أَنَّهَا لَا تَزُولُ وَتَبْقَى آثَارُهَا فَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهَا، فَهَذَا أَوَّلُ فَسَادِهِ لَهُ، وَأَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ (بَلْ تَقْوِيَتُهُ بِالْجَدَلِ يُضَاهِي) أَيْ: يُشَابِهُ (ضَرْبَ الشَّجَرَةِ بِالْمِدَقَّةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (مِنَ الْحَدِيدِ) أَوْ بِإِيدَاعِ الْمَسَامِيرِ فِيهَا (رَجَاءَ تَقْوِيَتِهَا؛ فَإِنَّ تَكْسِيرَ أَجْزَائِهَا) بِآلَاتِ الْحَدِيدِ (رُبَّمَا تُفَتِّتُهَا وَتَكْسِرُهَا) وَفِي نُسْخَةٍ: وَيُفْسِدُهَا، أَيْ: يَكُونُ سَبَبًا لِتَكْسِيرِ كُلِّهَا وَإِعْدَامِهَا بِالْمَرَّةِ (وَهُوَ الْأَغْلَبُ) فِي الْأَحْوَالِ (وَالْمُشَاهَدَةُ تَكْفِيكَ فِي هَذَا بَيَانًا) وَاضِحًا (وَنَاهِيكَ بِالْعِيَانِ) أَيْ: الْمُعَايَنَةِ (بُرْهَانًا) جَلِيًّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ بِبُرْهَانٍ آخَرَ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي "إِلْجَامِ الْعَوَامِّ": فَإِنْ قُلْتَ: إِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ قَلْبُ الْعَامِّيِّ عَنِ التَّفَكُّرِ لِتَشَوُّقِهِ إِلَى الْبَحْثِ فَمَا طَرِيقُهُ؟ فَأَقُولُ: طَرِيقُهُ أَنْ يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِالْعِبَادَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِعِلْمٍ آخَرَ لَا يُنَاسِبُ هَذَا الْجِنْسَ، مِنْ لُغَةٍ أَوْ نَحْوٍ أَوْ حِسَابٍ أَوْ طِبٍّ أَوْ فِقْهٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَبِحِرْفَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ، وَلَوِ الْحِرَاثَةِ، أَوِ الْحِيَاكَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِلَعِبٍ أَوْ لَهْوٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ هَوْلَ الْقِيَامَةِ وَالْحَشْرَ وَالنَّشْرَ وَالْحِسَابَ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْغَوْصِ فِي هَذَا الْبَحْرِ الْبَعِيدِ عُمْقُهُ، الْعَظِيمِ خَطَرُهُ وَضَرَرُهُ، بَلْ لَوِ اشْتَغَلَ الْعَامِّيُّ بِاللَّهْوِ لَا بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَرُبَّمَا كَانَ أَسْلَمَ لَهُ مِنْ أَنْ يَخُوضَ فِي الْبَحْثِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ ذَلِكَ عَاقِبَتُهُ الْفِسْقُ، وَهَذَا عَاقِبَتُهُ الشِّرْكُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية