الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وكره ) تنزيها لما مر ( قتله قبل العرض بلا ضمان ) لأن الكفر مبيح للدم ، قيد بإسلام المرتد لأن الكفار أصناف خمسة : من ينكر الصانع كالدهرية ، ومن ينكر الوحدانية كالثنوية ، ومن يقر بهما لكن ينكر بعثة الرسل كالفلاسفة ، ومن ينكر الكل كالوثنية ، ومن يقر بالكل لكن ينكر عموم رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم [ ص: 227 ] كالعيسوية ، فيكتفي في الأولين بقول لا إله إلا الله ، وفي الثالث بقول محمد رسول الله ، وفي الرابع بأحدهما ، وفي الخامس بهما مع التبري عن كل دين يخالف دين الإسلام بدائع وآخر كراهية الدرر ، [ ص: 228 ] وحينئذ فيستفسر من جهل حاله بل عمم في الدرر اشتراط التبري من كل يهودي ونصراني ، ومثله في فتاوىالمصنف وابن نجيم وغيرهما . وفي رهن فتاوى قارئ الهداية كذا أفتى علماؤنا . والذي أفتى به صحته بالشهادتين بلا تبري ، [ ص: 229 ] لأن التلفظ بها صار علامة على الإسلام فيقتل إن رجع ما لم يعد .

التالي السابق


. ( قوله لما مر ) أي من أن العرض مستحب ويكره تحريما عند من أوجبه أفاده في شرح الملتقى ط ( قوله قيد بإسلام المرتد ) أي في قوله وإسلامه . مطلب في أن الكفار خمسة أصناف ، وما يشترط في إسلامهم ( قوله لأن الكفار ) أي بكفر أصلي والمرتد كفره عارض ( قوله كالدهرية ) بضم الدال نسبة إلى الدهر بفتحها ، سموا بذلك لقولهم - { وما يهلكنا إلا الدهر } - ( قوله كالثنوية ) وهم المجوس القائلون بإلهين أو كالمجوس كما في أنفع الوسائل ، ومقتضاه أنهم غيرهم ، وهو الذي حققه ابن كمال باشا نقلا عن الآمدي مع مشاركة الكل في اعتقاد أن أصل العالم النور والظلمة : أي النور المسمى يزدان ، وشأنه خلق الخير . والظلمة المسماة أهرمن وشأنها خلق الشر ( قوله كالفلاسفة ) أي قوم منهم كما في النهر ، وإلا فجمهور الفلاسفة يثبتون الرسل على أبلغ وجه لقولهم بالإيجاب ا هـ ح أي باللزوم والتوليد لا بالاختيار لإنكارهم كونه تعالى مختارا ، وينكرون كونها بنزول الملك من السماء وكثيرا مما علم بالضرورة مجيء الأنبياء كحشر الأجساد والجنة والنار . والحاصل أنهم وإن أثبتوا الرسل لكن لا على الوجه الذي يثبته أهل الإسلام كما ذكره في شرح المسايرة فصار إثباتهم بمنزلة العدم ، وعليه فيصح إطلاق الشارح تأمل ( قوله كالوثنية ) فيه أن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى كما لا يخفى .

قال ففي شرح السير : وعبدة الأوثان كانوا يقرون بالله تعالى قال تعالى - { ولئن سألتهم من خلقهم [ ص: 227 ] ليقولن الله } - ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية . قال تعالى - { إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون } - ا هـ وهذا زاده في الدرر على ما في البدائع ، وتبعه الشارح . والظاهر أن صاحب البدائع أدخله في الثنوية لأنهم جعلوا مع الله تعالى معبودا ثانيا وهو أصنامهم فهم منكرون للوحدانية كالمجوس وحكمهم في الإسلام واحد كما تعرفه ( قوله كالعيسوية ) هم قوم من اليهود ينسبون إلى عيسى الأصفهاني اليهودي ح . قلت : وعبارة البدائع : وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده والرسالة في الجملة لكنهم ينكرون عموم رسالة رسولنا صلى الله عليه وسلم وهم اليهود والنصارى .

قال في النهر : وليس المراد كل النصارى بل طائفة منهم في العراق يقال لهم العيسوية صرح بذلك في المحيط والخانية . ا هـ . ( قوله فيكتفي في الأولين إلخ ) عبارة البدائع : فإن كان من الصنف الأول أو الثاني فقال لا إله إلا الله يحكم بإسلامه ، لأن هؤلاء يمتنعون عن الشهادة أصلا ، فإذا أقروا بها كان ذلك دليل إيمانهم ، وكذلك إذا قال أشهد أن محمدا رسول الله لأنهم يمتنعون عن كل واحدة من كلمتي الشهادة فكان الإتيان بواحدة منهما أيتهما كانت دلالة الإيمان ا هـ أي ويلزم من الإيمان بإحداهما الإيمان بالأخرى وهذا صريح في أن الثنوية ينكرون الرسالة فهم كالوثنية ، فيكتفي في الكل بإحدى الكلمتين ، وبه صرح في أنفع الوسائل فقال : إن عبدة الأوثان والنيران والمشرك في الربوبية والمنكر للوحدانية كالثنوية إذا قال الواحد منهم لا إله إلا الله يحكم بإسلامه ، وكذا لو قال أشهد أن محمدا رسول الله أو قال أسلمنا أو آمنا بالله ا هـ وذكر قبله عن المحيط أن الكافر إذا أقر بخلاف ما اعتقد يحكم بإسلامه ونحوه في شرح السير الكبير .

وبه علم أن ما في شرح المسايرة لابن أبي شريف الشافعي من أنه يكتفي الثنوي والوثني بالشهادتين بدون تبري فهو على مذهبه ، أو المراد به إحداهما فافهم ( قوله وفي الثالث بقول محمد رسول الله ) فلو قال لا إله إلا الله لا يحكم بإسلامه لأنه منكر الرسالة ولا يمتنع عن هذه المقالة ، ولو قال أشهد أن محمدا رسول الله يحكم بإسلامه لأنه يمتنع عن هذه الشهادة فكان الإقرار بها دليل الإيمان بدائع ، ومقتضاه أن الإتيان بالثانية يكفيه لأن المدار على الإقرار بخلاف معتقده ( قوله وفي الرابع بأحدهما ) علله في الدرر بأنه منكر للأمرين جميعا ، فبأيهما شهد دخل في دين الإسلام ا هـ وهذا التعليل موافق لما قدمناه عن البدائع ، وبه صرح أيضا في شرح السير الكبير ، وزاد أنه لو قال أنا مسلم فهو مسلم لأن عبدة الأوثان لا يدعون هذا الوصف لأنفسهم بل يبرءون على قصد المغايظة للمسلمين ; وكذا لو قال أنا على دين محمد أو على الحنفية أو على دين الإسلام ، وقد علمت أن هذا الرابع داخل في الأولين ، والحكم في الكل واحد وهو الاكتفاء بأحد اللفظين عن الآخر وأن ما مر عن شرح المسايرة لا يدفع المنقول عندنا فافهم . مبحث فياشتراط التبري مع الإتيان بالشهادتين .

( قوله وفي الخامس بهما مع التبري إلخ ) ذكر ابن الهمام في المسايرة ، أن اشتراط التبري لإجراء أحكام الإسلام عليه لا لثبوت الإيمان فيما بينه وبين الله تعالى ، فإنه لو اعتقد عموم الرسالة وتشهد فقط كان مؤمنا عند الله تعالى . ا هـ . ثم إن الذي في البدائع : لو أتى بالشهادتين لا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ عن الدين الذي هو عليه . وزاد في المحيط : لا يكون مسلما حتى يتبرأ من دينه مع ذلك ويقر أنه دخل في الإسلام لأنه يحتمل أنه تبرأ من اليهودية ودخل في النصرانية ، فإذا قال مع ذلك ودخلت في الإسلام يزول هذا الاحتمال . وقال بعض مشايخنا : إذا قال دخلت .

[ ص: 228 ] في الإسلام يحكم بإسلامه وإن لم يتبرأ مما كان عليه لأنه يدل على دخول حادث منه في الإسلام ا هـ ومثله في شرح السير الكبير . قلت : اشتراط قوله ودخلت في دين الإسلام ظاهر فيما إذا تبرأ من دينه فقط ، أما إذا تبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام فلا يحتاج إليه لعدم الاحتمال المذكور ، فلذا لم يذكره الشارح مع صيغة التبري التي ذكرها . والظاهر أنه لو أتى بالشهادتين وصرح بتعميم الرسالة إلى بني إسرائيل وغيرهم أو قال أشهد أن محمدا رسول الله إلى كافة الخلق الإنس والجن يكفي عن التبري أيضا كما صرح به الشافعية . [ تنبيه ] قال في الفتح : إن اشتراط التبري إنما هو فيمن بين أظهرنا منهم ، وأما من في دار الحرب لو حمل عليه مسلم فقال محمد رسول الله فهو مسلم ، أو قال دخلت في دين الإسلام أو دين محمد صلى الله عليه وسلم فهو دليل إسلامه فكيف إذا أتى بالشهادتين لأن في ذلك الوقت ضيقا ، وقوله هذا إنما أراد به الإسلام الذي يدفع عنه القتل الحاضر فيحمل عليه ويحكم به بمجرد ذلك . ا هـ . قلت : وإنما اكتفى عليه الصلاة والسلام بالشهادتين لأن أهل زمنه كانوا منكرين لرسالته أصلا كما يأتي .

ثم اعلم أنه يؤخذ من مسألة العيسوي أن من كان كفره بإنكار أمر ضروري كحرمة الخمر مثلا أنه لا بد من تبرئه مما كان يعتقده لأنه كان يقر بالشهادتين معه فلا بد من تبرئه منه كما صرح به الشافعية وهو ظاهر ( قوله فيستفسر من جهل حاله ) ذكر ذلك في النهر بعد أن ذكر أنه ليس كل اليهود والنصارى كذلك ، بل طائفة منهم يقال لهم العيسوية ، فقال : وعلى هذا فينبغي أن يستفسر الآتي بالشهادتين منهم إن جهل حاله ا هـ أي فإن ادعى أنه عيسوي يعتقد تخصيص الرسالة بغير بني إسرائيل لا يصح إسلامه إلا بالتبري ، وإن ادعى أنه ينكرها مطلقا اكتفى بالشهادتين فافهم ( قوله بل عمم في الدرر إلخ ) في البحر أول الجهاد عن الذخيرة : أما اليهود والنصارى فكان إسلامهم في زمنه عليه الصلاة والسلام بالشهادتين لأنهم كانوا ينكرون رسالته صلى الله عليه وسلم وأما اليوم ببلاد العراق فلا يحكم بإسلامه بهما ما لم يقل تبرأت عن ديني ودخلت في دين الإسلام ، لأنهم يقولون إنه رسول إلى العرب والعجم لا إلى بني إسرائيل ، كذا صرح به محمد . ا هـ . وفي شرح السير للسرخسي : وأما اليهود والنصارى اليوم بين ظهراني المسلمين إذا أتى واحد منهم بالشهادتين لا يكون مسلما لأنهم جميعا يقولون هذا ليس من نصراني ولا يهودي عندنا نسأله إلا قال هذه الكلمة ، فإذا استفسرته قال رسول الله إليكم لا إلى بني إسرائيل ثم قال : ولو قال أنا مسلم لم يكن مسلما بهذا لأن كل فريق يدعي ذلك لنفسه ، فالمسلم هو المستسلم للحق ، وكل ذي دين يدعي أنه منقاد للحق ، وكان شيخنا الإمام يقول إلا المجوس في ديارنا فإن من يقول منهم أنا مسلم يصير مسلما لأنهم يأبون هذه الصفة لأنفسهم ويسبون به أولادهم ويقولون يا مسلمان ا هـ .

قلت : وما عزاه إلى شيخه يعني الإمام الحلواني جزم به في محل آخر ، وقدمنا عنه قريبا في الوثني أنه يصير مسلما بقوله أنا مسلم أو على دين محمد أو الحنيفية أو الإسلام ، فعلى هذا يقال كذلك في اليهود والنصارى في بلادنا فإنهم يمتنعون من قول أنا مسلم ، حتى إن أحدهم إذا أراد منع نفسه عن أمر يقول إن فعلته أكون مسلما . [ ص: 229 ] فإذا قال أنا مسلم طائعا فهو دليل إسلامه وإن لم يسمع منه النطق بالشهادتين ، كما صرح به في شرح السير فيمن صلى بجماعة فإنه يحكم بإسلامه وبأنه يحكم بالإسلام بمجرد سيما المسلمين في حق الصلاة عليه إذا مات وكذا يمتنعون من النطق بالشهادتين أشد الامتناع فإذا أتى بهما طائعا يجب الحكم بإسلامه لأنه فوق السيما ، إذ لا شك أن محمدا إنما اشترط التبري بناء على ما كان في زمنه من إقرارهم بالرسالة على خلاف ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من إنكارها فإذا أنكروها في زماننا وامتنعوا من النطق بالشهادتين يجب أن يرجع الأمر إلى ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم إذ لم يبق وجه للعدول عنه . على أن محمدا إنما حكم على ما كان في بلاد العراق لا مطلقا كما يوهمه ما في الدرر ، وعن هذا ذكر العلامة قاسم أنه سئل عن سامري أتى بالشهادتين ثم رجع .

فأجاب بما حاصله أنه ينظر في اعتقاده ، فإنهم ذكروا أن بعض اليهود يخصص رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم بالعرب وهذا لا يكفيه مجرد الشهادتين ، بخلاف من ينكر الرسالة أصلا ، وبعض من أعمى الله قلبه جعلهم فرقة واحدة في جميع البلاد حتى حكم في نصراني منكر للرسالة تلفظ بالشهادتين ببقائه على النصرانية لأنه لم يتبرأ ا هـ ملخصا . والحاصل : أن الذي يجب التعويل عليه أنه إن جهل يستفسر عنه ، وإن علم كما في زماننا ، فالأمر ظاهر ، وهذا وجه ما يأتي عن قارئ الهداية ( قوله لأن التلفظ به صار علامة على الإسلام إلخ ) أفاد بقوله صار إلى أن ما كان في زمن الإمام محمد تغير لأنهم في زمنه ما كانوا يمتنعون عن النطق بها فلم تكن علامة الإسلام فلذا شرط معها التبري . أما في زمن قارئ الهداية فقد صارت علامة الإسلام لأنه لا يأتي بها إلا المسلم كما في زماننا هذا ولذا نقل في البحر أول كتاب الجهاد كلام قارئ الهداية ثم أعقبه بقوله وهذا يجب المصير إليه في ديار مصر بالقاهرة لأنه لا يسمع من أهل الكتاب فيها الشهادتان ، ولذا قيده محمد بالعراق ا هـ ومثله في شرح العلامة المقدسي . ونقل أيضا في الدر المنتقى كلام قارئ الهداية ثم قال : وبه أفتى أحمد بن كمال باشا .

وفي شرح الملتقى لعبد الرحمن أفندي داماد : وأفتى البعض في ديارنا بإسلامه من غير تبر وهو المعمول به ا هـ فليحفظ ا هـ وقد أسمعناك آنفا ما فيه الكفاية . مطلب الإسلام يكون بالفعل كالصلاة بجماعة [ خاتمة ] اعلم أن الإسلام يكون بالفعل أيضا كالصلاة بجماعة أو الإقرار بها أو الأذان في بعض المساجد أو الحج وشهود المناسك لا الصلاة وحده ومجرد الإحرام بحر وقدم الشارح ذلك نظما في أول كتاب الصلاة ، وقدمنا الكلام عليه مستوفى وذكرنا هناك أنه لا فرق في الإسلام بالفعل بين العيسوي وغيره ، والمراد أنه دليل الإسلام فيحكم على فاعل ذلك به ، وإلا فحقيقة الإسلام المنجية في الآخرة لا بد فيها من التصديق الجازم مع الإقرار بالشهادتين أو بدونه على الخلاف المار




الخدمات العلمية