الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن باعه ) السيد ( معلما بدينه ) يعني مقرا به لا منكرا كما سيجيء [ ص: 171 ] لتحقق المخاصمة ويسقط خيار المشتري لا الغرماء ( فللغرماء رد البيع ) إن لم يصل ثمنه إليهم ; لأن قبضهم الثمن دليل الرضا للبيع إلا إذا كان فيه محاباة فإما أن ترفع أو ينقض البيع ابن كمال وقال المصنف : هذا إذا كان الدين حالا وكان البيع بلا طلب الغرماء والثمن لا يفي بدينهم وإلا فالبيع نافذ [ ص: 172 ] لزوال المانع ( وإن غاب المانع ) وقد قبضه المشتري ( فالمشتري ليس بخصم لهم ) أو منكرا دينه خلافا للثاني ولو مقرا فخصم كما مر ( ولو بقلبه ) بأن غاب المشتري والبائع حاضر ( فالحكم كذلك ) أي لا خصومة ( إجماعا ) يعني حتى يحضر المشتري لكن لهم تضمين البائع قيمته أو إجازة البيع وأخذ الثمن .

التالي السابق


( قوله معلما بدينه ) اسم فاعل من الإعلام حال من ضمير السيد . وعبارة الهداية والكنز وأعلمه بالدين . قال في الكفاية أي أعلم البائع المشتري بأن هذا العبد مديون ، وفائدته سقوط خيار المشتري في الرد بعيب الدين حتى يقع البيع لازما فيما بين البائع والمشتري ، وإن لم يكن لازما في حق الغرماء إذا لم يكن في ثمنه وفاء بديونهم ا هـ ومثله في التبيين وغيره وسيشير إليه الشارح ( قوله يعني مقرا به لا منكرا كما سيجيء ) قد علمت أن قوله معلما حال من السيد البائع فهو وصف له والذي سيجيء اعتبار إقرار المشتري لا البائع ، وأصل هذا الكلام لابن الكمال حيث ذكر أن فائدة قوله معلما تظهر في المسألة الآتية وهي قوله : وإن غاب البائع فالمشتري ليس بخصم لهم لو منكرا دينه قال فإنه دل بمفهومه على أنه يخاصم مقرا فلا بد من فرض العلم حتى يتيسر تصوير الإنكار مرة والإقرار أخرى ا هـ لكنه لم يفسر الإعلام بالإقرار كما فعل الشارح ، بل جعله مبنى تصوير الإنكار الآتي صريحا والإقرار المفهوم ضمنا ولذا قال ح : إن قوله مقرا به لا يصلح تفسيرا للمتن ولا تقييدا له وقد غلط في عبارة ابن الكمال ولم يفهمها ا هـ .

[ ص: 171 ] ويمكن أن يكون قوله يعني مقرا تفسيرا لمفعول باع الأول : أي باع مشتريا مقرا أو حالا من المشتري المفهوم من المقام ولو قال لمقر لكان أظهر وفيما ذكره ابن الكمال من الفائدة نظر ; لأن المسألة رباعية غاب العبد ، وقد مر غاب البائع أو غاب المشتري وسيأتي ، حضر الكل : وهي التي الكلام فيها ولذا قال ط : هذا مفروض فيما إذا كان العبد حاضرا ليباين قوله سابقا ، وإن باعه سيده وغيبه المشتري فلو قال المصنف : وإن كان العبد حاضرا فلهم الفسخ بحضرتهما لكان أخصر وأوضح ا هـ وفي هذه إن كان المشتري مقرا بالدين فالأمر ظاهر ، وإن كان منكرا فعلى الغرماء إثباته لعدم المانع لوجود الخصم فيها ، وإنما الكلام في غيبة البائع ، فإن كان المشتري مقرا لهم رد البيع ; لأنه خصم وإلا فلا ، فقوله معلما في مسألة حضرة الكل لا يظهر له فائدة في هذه المسألة أصلا وإنما فائدته ما مر عن الكفاية وغيرها فتدبر هذا ما ظهر لي ( قوله لتحقق المخاصمة ) تحقق فعل مضارع حذف منه إحدى التاءين والمخاصمة فاعل يعني أن فائدة إقرار المشتري بالدين فيما إذا غاب البائع صحة كونه خصما للغرماء في رد البيع ( قوله فللغرماء رد البيع ) ; لأن حقهم تعلق به وهو حق الاستسعاء أو الاستيفاء من رقبته ، وفي كل منهما فائدة فالأول تام مؤخر ، والثاني ناقص معجل وبالبيع تفوت هذه الخيرة فكان لهم رده زيلعي ( قوله إن لم يصل ثمنه إليهم ) قال في الهداية قالوا تأويل المسألة إذا لم يصل إليهم الثمن

فإن وصل ولا محاباة في البيع ليس لهم أن يردوه لوصول حقهم قال الزيلعي : وفيه نظر ; لأنه يشير إلى أنهم لا يكون لهم خيار الفسخ عند وصول الثمن إليهم ، إذا لم يكن في البيع محاباة ، وإن لم يف الثمن بحقهم

وإن كان في البيع محاباة ثبت لهم خيار الفسخ ، وإن وفى الثمن بحقهم وليس كذلك بل لهم خيار الفسخ إذا لم يف الثمن بحقهم ، وإن لم يكن فيه محاباة لأجل الاستسعاء ، وقد ذكره بنفسه قبيله ولا خيار لهم إن وفى الثمن بحقهم وإن كان فيه محاباة لوصول حقهم إليه ولو قال وتأويل المسألة فيما إذا باعه بثمن لا يفي بدينهم استقام وزال الإشكال ; لأن الثمن إذا لم يف بدينهم لهم نقض البيع كيفما كان ، وإذا وفى ليس لهم نقضه كيفما كان وإذا لم يوجد شيء مما ذكرنا من تأجيل الدين وطلبهم البيع ، ووفاء الثمن بالدين فالبيع موقوف حتى يجوز بإجازة الغرماء وهي مسألة الكتاب ا هـ ونحوه في شروح الهداية ( قوله ; لأن قبضهم إلخ ) تعليل لمفهوم قوله إن لم يصل ثمنه إليهم والتقدير : فإن وصل ليس لهم الرد ; لأن إلخ والأولى أن يقول بالبيع ط .

ثم إن هذا جواب عن صاحب الهداية وأصله لصاحب النهاية حيث قال : اللهم إلا أن يريد بقوله : فإن وصل ولا محاباة في البيع رضاهم بأخذ الثمن وهو رضا بالبيع ثم قال : ولكن احتمال إحضار الثمن والتخلية بينهم وبين الثمن بلفظ الوصول باق فكان المعول عليه قول الإمام قاضي خان تأويله إذا باع بثمن لا يفي بديونهم ا هـ .

وحاصله : أن الوصول يحتمل معنى الإحضار والتخلية كما يحتمل معنى القبض فلا يدل على الرضا . أقول : لكن قول صاحب الهداية قبله إن لهم الخيار إذا لم يف الثمن بحقهم قرينة ظاهرة ، على أنه أراد بالوصول القبض كي لا يتناقض كلامه وإعمال الكلام أولى من إهماله سيما من مثل هذا الإمام ; ولذا جزم به ابن الكمال وجعل ما سواه من حشاوي الأوهام ( قوله إلا إذا كان فيه محاباة ) إذ لهم حينئذ أن يقولوا إنما قبضنا الثمن لاعتقادنا أنه تمام القيمة ابن كمال أي فلا يدل على الرضا ما لم يف الثمن بحقهم ( قوله وقال المصنف ) أي تبعا للزيلعي وغيره ( قوله هذا ) أي ثبوت رد البيع للغرماء ( قوله وإلا فالبيع نافذ ) أي بأن كان الدين مؤجلا ، ; لأنه باع ملكه قادرا [ ص: 172 ] على تسليمه قبل تعلق حق الغير أو كان البيع بإذنهم ، ; لأنه بمنزلة بيعهم لأنفسهم ، ومحله إذا باعه من غير محاباة ، وإلا فالظاهر ثبوت الرد لهم لما تقدم ط .

قلت : الظاهر كون المولى وكيلا عنهم فيجري فيه ما مر في كتاب الوكالة تأمل : قال أبو السعود : وكذا ينفذ إذا كان بإذن القاضي كما قدمناه ا هـ أو كان الثمن يفي بدينهم ; لأن حقهم قد وصل إليهم ( قوله لزوال المانع ) وهو حق الغرماء ( قوله ليس بخصم لهم ) ; لأن الدعوى تتضمن فسخ العقد ، فيكون الفسخ قضاء على الغائب زيلعي ( قوله منكرا دينه ) أي لو كان المشتري منكرا دين العبد ( قوله خلافا للثاني ) حيث قال : هو خصم ويقضي للغرماء بدينهم ; لأنه يدعي الملك لنفسه في العين فيكون خصما لمن ينازعه فيها زيلعي ( قوله ولو مقرا فخصم ) ; لأن إقراره حجة عليه فيفسخ بيعه إذا لم يف الثمن بديونهم زيلعي ( قوله لا خصومة إجماعا ) ; لأن الملك واليد للمشتري ولا يمكن إبطالهما وهو غائب فما لم يبطل ملكه لا تكون الرقبة محلا لحقهم زيلعي ( قوله لكن لهم تضمين البائع قيمته ) ; لأنه صار مفوتا حقهم بالبيع والتسليم ، فإذا ضمنوه القيمة جاز البيع فيه وكان الثمن للبائع زيلعي ( قوله أو إجازة البيع ) وتكون بمنزلة الإذن السابق ، ولم يذكر تضمين المشتري إذا كان مقرا بديونهم . والظاهر أن لهم ذلك ويحرر وهي الخيارات التي جرت في المسألة السابقة ط




الخدمات العلمية