الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو ) أوصى ( إلى صبي وعبد غيره وكافر وفاسق بدل ) أي بدلهم القاضي ( بغيرهم ) إتماما للنظر ولفظ بدل يفيد صحة الوصية ، فلو تصرفوا قبل الإخراج جاز سراجية ( فلو بلغ الصبي وعتق العبد وأسلم الكافر ) أو المرتد وتاب الفاسق مجتبى . وفيه : فوض ولاية الوقف لصبي صح استحسانا ( لم يخرجهم القاضي عنها ) أي عن الوصايا لزوال الموجب للعزل إلا أن يكون غير أمين اختيار ( وإلى عبده و ) الحال أن ( ورثته صغار صح ) كإيصائه إلى مكاتبه أو مكاتب غيره ، ثم إن رد في الرق فكالعبد ( وإلا لا ) وقالا لا يصح مطلقا درر . [ ص: 702 ]

( ومن عجز عن القيام بها ) حقيقة لا بمجرد إخباره ( ضم ) القاضي ( إليه غيره ) عارية لحق الموصي والورثة .

( ولو ظهر للقاضي عجزه أصلا استبدل غيره ولو عزله ) أي الموصى المختار ( القاضي مع أهليته لها نفذ عزله وإن جار ) القاضي ( وأثم ) في الأشباه اختلفوا في صحة عزله ، والأكثر على الصحة كما في شرح الوهبانية ، لكن يجب الإفتاء بعدم الصحة كما في الفصولين . وأما عزل الخائن فواجب . انتهى .

قلت : وعبارة جامع الفصولين من الفصل السابع والعشرين : الوصي من الميت لو عدلا كافيا لا ينبغي للقاضي أن يعزله ، فلو عزله قيل ينعزل .

أقول : الصحيح عندي أنه لا ينعزل لأن الموصي أشفق بنفسه من القاضي فكيف ينعزل ، وينبغي أن يفتى به [ ص: 703 ] لفساد قضاة الزمان ا هـ : قال المصنف قال شيخنا : فقد ترجح عدم صحة العزل للوصي فكيف بالوظائف في الأوقاف ( وبطل فعل أحد الوصيين كالمتوليين ) فإنهما في الحكم كالوصيين أشباه ووقف القنية ، ومفاده أنه لو أجر أحدهما أرض الوقف لم تجز بلا رأي الآخر وقد صارت واقعة الفتوى ( ولو ) وصلية ( كان إيصاؤه لكل منهما على الانفراد ) وقيل ينفرد : قال أبو الليث : وهو الأصح وبه نأخذ ، لكن الأول صححه في المبسوط وجزم به في الدرر . وفي القهستاني أنه أقرب إلى الصواب .

قلت : وهذا إذا كانا وصيين أو متوليين من جهة الميت أو الوقف أو قاض واحد ، أما لو كانا من جهة قاضيين من بلدتين فينفرد أحدهما بالتصرف لأن كلا من القاضيين لو تصرف جاز تصرفه فكذا نائبه . [ ص: 704 ]

ولو أراد كل من القاضيين عزل منصوب القاضي الآخر جاز إن رأى فيه المصلحة وإلا لا ، وتمامه في وكالة تنوير البصائر معزيا للملتقطات وغيرها فليحفظ .

التالي السابق


( قوله وعبد غيره ) أي ولو بإذن سيده قهستاني والواو فيه وفيما بعده بمعنى أو ( قوله وكافر ) أي ذمي أو حربي أو مستأمن عناية أو مرتد كما يعلم مما يأتي ( قوله وفاسق ) أي مخوف منه على المال قهستاني ( قوله بدل ) أي وجوبا بحر مسلم صالح لأن العبد يحجر ، والكافر عدو ، والفاسق متهم بالخيانة قهستاني ( قوله ولفظ بدل يفيد صحة الوصية ) وعبارة القدوري : أخرجهم القاضي ، قال في الهداية هذا يشير إلى صحة الوصية لأن الإخراج يكون بعد الصحة ا هـ . وقال محمد في الأصل إن الإيصاء باطل .

واختلفوا في معناه ، فقيل إنه سيبطل بإبطال القاضي في جميع هذه الصور ، وقيل سيبطل في غير العبد لعدم ولايته فيكون باطلا ، وقيل سيبطل في الفاسق لأن الكافر كالعبد كما في الكافي قهستاني والأول قول عامة المشايخ كما في العناية .

ثم اعلم أن المصنف زاد على المتون والهداية ذكر الصبي ، ونقل في شرحه على المجتبى : والوصية إلى الصبي جائزة ولكن لا تلزمه العهدة كالوكالة ا هـ وذكره أيضا في الاختيار كما فعل المصنف ، لكن نقل في شرح الوهبانية إذا أوصى إلى عبد أو صبي أخرجهما القاضي لأن الصبي لا يهتدي إلى التصرف ، وهل ينفذ تصرفه قبل الإخراج ؟ قيل نعم ، وقيل لا . وهو الصحيح لأنه لا يمكن إلزام العهدة فيه ، فلو بلغ قبل الإخراج قال أبو حنيفة : لا يكون وصيا وقالا : يكون . ا هـ ملخصا وتمامه فيه فراجعه ( قوله وأسلم الكافر ) أي الأصلي ط ( قوله أي عن الوصايا ) في بعض النسخ الوصاية ( قوله ثم إن رد في الرق ) بأن عجز عن أداء البدل ( قوله فكالعبد ) أي فإن كان مكاتب غيره صحت واستبدله القاضي بغيره ، وإن كان مكاتبه فهي مسألة المصنف الخلافية ط ( قوله وإلا ) أي بأن كان فيهم كبير لم يصح لأن للكبير بيعه أو بيع نصيبه فيعجز عن الوصية لأن المشتري يمنعه فلا يحصل فائدة الوصية اختيار ( قوله وقالا لا يصح مطلقا ) لأن فيه إثبات الولاية للمملوك على المالك وهو قلب المشروع . وله أنه أوصى إلى من [ ص: 702 ] هو أهل فيصح ، كما لو أوصى إلى مكاتب وهذا لأنه مكلف مستبد بالتصرف وليس لأحد عليه ولاية ، فإن الصغار وإن كانوا ملاكا لكن لما أقامه أبوهم مقام نفسه صار مستبدا بالتصرف مثله بلا ولاية لهم ا هـ درر لكن ليس له أن يبيع رقبته ط .

فإن قيل : إن لم يكن لهم ولاية البيع فللقاضي أن يبيعه فيتحقق المنع . وأجيب أنه إذا ثبت الإيصاء لم يبق للقاضي ولاية البيع عناية ( قوله ومن عجز عن القيام بها ) أي وحده بأن احتاج إلى معين بقرينة المسألة الآتية ( قوله حقيقة ) بأن ثبت ذلك بالبينة لأن الثابت بها كالمعاين لا بعلم القاضي ، لأن المفتى به أنه لا يقضي بعلمه رحمتي ( قوله لا بمجرد إخباره ) لأنه قد يكذب تخفيفا على نفسه ، وكذا لو اشتكى الورثة أو بعضهم الوصي إلى القاضي لا ينبغي أن يعزله حتى يظهر له منه خيانة هداية . [ تنبيه ]

يؤخذ مما ذكره أنه ليس للوصي إخراج نفسه بعد القبول وتقدم التصريح به ، والحيلة فيه شيئان كما في الأشباه أحدهما أن يجعله الميت وصيا على أن يعزل نفسه متى شاء . الثاني أن يدعي دينا على الميت فيتهمه القاضي فيخرجه ا هـ . والظاهر أن هذا في وصي الميت . أما وصي القاضي فقدمنا عن البزازية أنه يعزل نفسه بعلم القاضي تأمل . وقوله فيخرجه فيه خلاف ، وفي الهندية عن الخصاف أنه لا يخرجه بل يجعل للميت وصيا في مقدار الدين خاصة ، وبه أخذ المشايخ وعليه الفتوى ( قوله رعاية لحق الموصي ) في إبقائه حيث اختاره وصيا ولحق الورثة في ضم غيره إليه ( قوله استبدل غيره ) في الظهيرية عجز فأقام غيره ثم ، قال الأول بعد أيام صرت قادرا على القيام بها ، قالوا . هو وصي على حاله لأن الحاكم ما أقام الثاني مقامه ليكون نصبه عزلا له ، وإنما ذلك ضم لا عزل ومثله في الخانية وغيرها .

وفي الخلاصة : أقام آخر مقام العاجز ينعزل ، قال الخاصي لأنه لا يقوم مقام الأول إلا بعد العزل ، وللقاضي العزلة بالعجز ا هـ ملخصا من أدب الأوصياء .

أقول . يمكن التوفيق بأن القاضي إذا قال جعلتك وصيا أو ضممتك إلى الأول لا ينعزل الأول ، ولو قال أقمتك مقامه انعزل فتأمل . [ تنبيه ]

في الأدب عن الخانية : لو جن الوصي مطبقا ينبغي للقاضي أن يبدله ، ولو لم يفعل حتى أفاق فهو على وصايته ا هـ ( قوله مع أهليته لها ) بأن كان عدلا كافيا ( قوله نفذ عزله ) قال في القنية . واستبعده ظهير الدين بأنه مقدم إلى القاضي لأنه مختار الميت . قال أستاذنا فإذا كان ينعزل وصي الميت وإن كان عدلا كافيا فكيف وصي القاضي ا هـ ( قوله وأما عزل الخائن فواجب ) بل في عامة الكتب : إذا كان الأب مبذرا متلفا مال ابنه الصغير فالقاضي ينصب وصيا وينزع المال من يده ( قوله من الفصل السابع والعشرين ) وفيه عن المنتقى بالنون ، ولو كافيا لا عدلا يعزله ، ولو عدلا غير كاف يضم إليه كافيا ا هـ زاد في الولوالجية ولو عزله صح ( قوله وينبغي أن يفتى به ) قال في نور العين : لقد أجاد فيما أفاد لكنه أوهم بقوله قبله عندي إنه تفرد به مع أنه مختار كثير [ ص: 703 ] من السلف والخلف ( قوله لفساد قضاة الزمان ) فيكون عزله منهم لغرض دنيوي إذ لا مصلحة لليتيم في عزل الأهل ط . [ تنبيه ]

هذا كله في وصي الميت ، أما وصي القاضي فله عزله ولو عدلا كما سيذكره الشارح في الفروع ، لكن يأتي قريبا تقييده بما إذا رأى المصلحة وإلا فلا ( قوله قال المصنف قال شيخنا ) يعني ابن نجيم صاحب البحر ( قوله فكيف بالوظائف في الأوقاف ) من الوظائف التولية على الوقف . قال في فتاوى خير الدين عن البحر . وأما عزل القاضي الناظر فشرطه أن يكون بجنحة واستدل عليه بما نقله عن الإسعاف وجامع الفصولين . ثم قال فقد أفاد حرمة تولية غيره بلا خيانة ، وعدم صحتها لو فعل ، ثم قال : واستفيد من عدم صحة عزل الناظر بغير جنحة عدمها لصحة وظيفة في وقف ، واستدل عليه بما نقله عن البزازي وغيره ا هـ ط وأفاد بقوله فكيف إلخ أنه لا يصح بالأولى . ووجهه أن فيه إبطال حق محترم وهو ما عين له الواقف ( قوله وبطل فعل أحد الوصيين ) إلا إذا أجازه صاحبه فإنه يجوز ولا يحتاج إلى تجديد العقد كما في المنح ط .

أقول : وكذا الوصي مع الناظر عليه : وفي الحامدية عن الإسماعيلية لو تصرف الوصي بدون علم الناظر في أموال اليتيم فهلكت يضمنها ( قوله ومفاده إلخ ) نص عليه في الإسعاف حيث قال : لا ينفرد أحد الناظرين بالإجازة ، ولو وكل أحدهما صاحبه جازت نقله أبو السعود ط وما ذكره الشارح مأخوذ عن المنح ( قوله لكل منهما ) الأولى إلى كل منهما كما عبر في الغرر ( قوله وقيل ينفرد ) قائله أبو يوسف كما سيصرح به الشارح والأول قولهما ، ثم قيل : الخلاف فيما لو أوصى إليهما متعاقبا ، فلو معا بعقد واحد لا ينفرد أحدهما بالتصرف بالإجماع ، وقيل الخلاف في العقد الواحد ، أما في العقدين فينفرد أحدهما بالإجماع . قال أبو الليث : وهو الأصح . وبه نأخذ وقيل الخلاف في الفصلين جميعا . قال في المبسوط : وهو الأصح ، وبه جزم منلا خسرو منح ملخصا ، وذكر مثله الزيلعي وغيره ( قوله لكن الأول صححه في المبسوط إلخ ) أقول يوهم أنه صحح القول بالانفراد مع أنك علمت أن الكلام في محل الخلاف وأن الذي صححه في المبسوط أن الخلاف في الموضعين ، وليس فيه تصحيح للقول بالانفراد ولا لعدمه ، نعم ما صححه أبو الليث يتضمن تصحيح الانفراد لو بعقدين لأنه ادعى فيه الإجماع فتنبه .

ويمكن أن يقال إن ما في المبسوط متضمن أيضا لتصحيح عدم الانفراد فإنه لما صحح أن الخلاف في الفصلين أثبت أن قول أبي حنيفة ومحمد عدم الانفراد فيهما ; والعمل في الغالب على قول الإمام ، وهو ظاهر إطلاق المتون وصريح عبارة المصنف تأمل ( قوله أنه أقرب إلى الصواب ) لأن وجوب الوصية عند الموت فثبت لهم معا بخلاف الوكالة المتعاقبة ، فإذن ثبت أن الخلاف فيهما زيلعي أي في صورتي الإيصاء لهما معا أو متعاقبا ( قوله وهذا ) أي عدم إفراد أحدهما ( قوله من بلدتين ) الظاهر أنه اتفاقي نظرا إلى الغالب ، حتى لو ولى السلطان قاضيين في بلد واحد وجعل لهما نصب الأوصياء فالحكم كذلك ، ويؤيده ما ذكره من التعليل أفاده ط . [ ص: 704 ] قوله وتمامه إلخ ) الذي ذكره في تنوير البصائر معزيا للملتقطات هو ما تقدم . ثم قال بعده . وفي قوله فكذا نائبه نظر ظاهر ، لما تقرر أن وصي القاضي نائب عن الميت لا عن القاضي حتى تلحقه العهدة ، بخلاف أمين القاضي لأنه نائب عنه فلا تلحقه العهدة ، ومقتضى ما ذكره من أن وصي القاضي نائب عنه أن لا يكون القاضي محجورا عن التصرف في مال اليتيم ، والمنقول أنه محجور عن التصرف مع وجود وصيه ولو منصوبه بخلافه مع أمينه ، ومقتضاه أيضا أن لا يملك القاضي شراء مال اليتيم من وصي نصبه ، كما لو كان أمينه ، والحكم بخلافه كما في غالب كتب المذهب ا هـ




الخدمات العلمية