الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولا يقطع أصبع شل جاره ) خلافا لهما ( و ) لا ( أصبع قطع مفصله الأعلى فشل ما بقي ) من الأصابع ( بل دية المفصل والحكومة فيما بقي ولا ) قود ( بكسر نصف سن أسود ) [ ص: 585 ] أو أصفر أو أحمر ( باقيها بل كل دية السن ) إذا فات منفعة المضغ وإلا فلو مما يرى حال التكلم فالدية أيضا وإلا فحكومة عدل زيلعي فقول الدرر وإلا فلا شيء فيه فيه ما فيه ثم الأصل أن الجناية متى وقعت على محلين متباينين حقيقة فأرش أحدهما لا يمنع قود الآخر ، ومتى وقعت على محل وأتلفت شيئين فأرش أحدهما يمنع القود ( ويجب الأرش على من أقاد سنه ) بعد مضي حول ( ثم نبت ) بعد ذلك لتبين الخطأ حينئذ وسقط القود للشبهة وفي الملتقى ويستأنى في اقتصاص السن والموضحة حولا وكذا لو ضرب سنه فتحركت لكن في الخلاصة الكبير الذي لا يرجى نباته لا يؤجل به يفتى .

قلت : وقد يوفق بما نقله المصنف وغيره عن النهاية الصحيح تأجيل البالغ ليبرأ لا سنه ; لأن نباته نادر ( أو قلعها فردت ) أي ردها صاحبها ( إلى مكانها ونبت عليها اللحم ) لعدم عود العروق كما كانت في النهاية قال شيخ الإسلام إن عادت إلى حالتها الأولى في المنفعة والجمال لا شيء عليه كما لو نبتت ( وكذا الأذن ) إذا ألصقها فالتحمت يجب الأرش لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه درر ( إلا إن قلعت ) السن ( فنبتت أخرى فإنه يسقط الأرش عنده كسن صغير ) [ ص: 586 ] خلافا لهما ولو نبتت معوجة فحكومة عدل ، ولو نبتت إلى النصف فعليه نصف الأرش ، ولا شيء في ظفر نبت كما كان ( أو التحم شجه أو ) التحم ( جرح ) حاصل ذلك ( بضرب ولم يبق ) له ( أثر ) فإنه لا شيء فيه . وقال أبو يوسف : عليه أرش الألم وهي حكومة عدل . وقال محمد : قدر ما لحقه من النفقة إلى أن يبرأ من أجرة الطبيب وثمن دواه . وفي شرح الطحاوي فسر قول أبي يوسف أرش الألم بأجرة الطبيب والمداواة فعليه لا خلاف بينهما قاله المصنف وغيره .

قلت : وقد قدمنا نحوه عن المجتبى وذكر هنا عنه روايتين فتنبه ( ولا يقاد جرح إلا بعد برئه ) خلافا للشافعي

التالي السابق


( قوله ولا يقطع أصبع شل جاره ) بل يجب أرش كل واحد منهما كاملا منح والأصبع قد يذكر قاموس ( قوله خلافا لهما ) فعندهما عليه القصاص في الأولى والأرش في الأخرى جوهرة ; ولو قال المصنف ولا قود إن ذهب عيناه أو قطع أصبعا فشل جاره بل الدية فيهما خلافا لهما لكان أظهر ( قوله من الأصابع ) الأظهر قول الهداية من الأصبع ( قوله بل دية المفصل والحكومة فيما بقي ) كذا في الهداية والكافي والملتقى ، وهو محمول على ما إذا كان ينتفع بما بقي كما قدمناه عن الزيلعي ، فلا ينافي ما قدمناه عن شروح الهداية وغيرها من وجوب دية الأصبع ، لكن حمله في العزمية على أنه قول آخر ، واستبعد التوفيق بالانتفاع وعدمه بأن الشلل لا يفارقه عدم الانتفاع به لا محالة تأمل ، وأما عبارة الدرر فهي سهو كما تقدم التنبيه عليه فافهم .

ولم يتعرض لذكر الخلاف هنا إشارة إلى أنهما لا يقولان بالقصاص هنا ، بخلاف ما مر [ ص: 585 ] لما في التتارخانية أن أصحابنا اتفقوا في العضو الواحد إذا قطع بعضه فشل باقيه أو شل ما هو تبع للمقطوع : أي كالكف أنه لا قصاص . واختلفوا في عضوين ليس أحدهما تبعا للآخر ا هـ أي كالأصبع وجاره فإنه لا قصاص في الأصبع عنده خلافا لهما كما مر ، والمراد عضوان غير متباينين ، وإلا فأرش أحدهما لا يمنع قود الآخر عنده أيضا كما يأتي قريبا ( قوله أو أصفر أو أحمر ) أي أو دخله عيب بوجه ما مكي عن الكافي ط وما ذكره في الاصفرار هو المختار كما في الدرر وبه جزم في التبيين أولا ، لكن ذكر بعده بنحو ورقة فيما لو اصفرت بالضرب وجوب الحكومة ; لأن الصفرة لا توجب تفويت الجمال ولا المنفعة إلا أن كمال الجمال في البياض ا هـ .

ولعلهم فرقوا بين الاصفرار بالكسر والاصفرار بالضرب تأمل ( قوله وإلا فلو مما يرى إلخ ) عبارة الإمام محمد مطلقة قال في الكفاية وغيرها : ويجب أن يكون الجواب فيها على التفصيل إلخ ( قوله فالدية أيضا ) ; لأنه فوت جمالا ظاهرا على الكمال كفاية ( قوله فيه ما فيه ) أجيب عنه بأن المعنى فلا شيء فيه مقدر فلا ينافي وجوب حكومة العدل ط ( قوله متباينين حقيقة ) كيد ورجل ط ( قوله على محل ) كموضحة أزالت عقله أو سمعه أو بصره أو نطقه ، وسواء كان المحل عضوا واحدا أو عضوين غير متباينين كأصبع شل جاره خلافا لهما في العضوين كما مر ( قوله ويجب الأرش ) أي خمسمائة درهم هداية ( قوله أقاد سنه ) يقال أقاد القاتل بالقتيل إذا قتله به كما في المغرب والقاموس ، فيتعدى إلى الأول بالهمزة وإلى الثاني بالباء وعليه فحقه أقاد بسنه تأمل ( قوله ثم نبت ) أي كله غير معوج كما سيأتي ( قوله بعد مضي حول ) أفاد أنه ليس له القود قبله كما يصرح به قوله بعد ذلك أي بعد الإقادة ( قوله لتبين الخطأ ) أي في القصاص ; لأن الموجب له فساد المنبت ولم يفسد حيث نبت مكانها أخرى ، فانعدمت الجناية هداية ( قوله للشبهة ) أي شبهة وجوب القصاص قبل النبات ط ( قوله ويستأنى ) بسكون الهمزة وتخفيف النون أي ينتظر ، وينبغي للقاضي أن يأخذ من القالع ضمينا كما في الكفاية .

( قوله وكذا ) أي يستأنى حولا ( قوله لكن في الخلاصة ) حيث قال : قلع سن بالغ لا يؤجل سنة إنما ذلك في الصبي ، ولكن ينتظر حتى يبرأ موضع السن ، أما إذا ضربه فتحرك ينتظر حولا وفي نسخة السرخسي يستأنى حولا في الكبير الذي لا يرجى نباته في الكسر والقلع وبالأول يفتى ا هـ ملخصا ( قوله وقد يوفق إلخ ) أي بحمل ما في الملتقى على الصغير وما في الخلاصة على الكبير كما هو صريح عبارتها ( قوله أو قلعها فردت ) أي قبل القود ط ( قوله لعدم عود العروق ) علة لوجوب الأرش ط ، ووجوبه هنا على الجاني ( قوله إن عادت ) أي إن تصور عودها ( قوله ; لأنها لا تعود ) الظاهر جريان ما قاله شيخ الإسلام هنا أيضا تأمل ( قوله فإنه يسقط الأرش ) أي عن الجاني لانعدام الجناية معنى ( قوله كسن صغير ) فإنه لا يجب [ ص: 586 ] الأرش بالإجماع إذا نبتت ; لأنه لم تفت عليه منفعة ولا زينة هداية ( قوله خلافا لهما ) حيث قالا : عليه الأرش كاملا لتحقق الجناية والحادث نعمة مبتدأة من الله تعالى هداية ( قوله فحكومة عدل ) أي عند أبي حنيفة زيلعي ولو نبتت سوداء جعل كأنها لم تنبت تتارخانية ( قوله ولا شيء في ظفر إلخ ) فهو كالسن . بقي ما إذا لم ينبت قال في الاختيار : وفي قلع الأظفار تنبت حكومة عدل ; لأنه لم يرد فيها أرش مقدر ا هـ وإن نبت الظفر على عيب فحكومة دون الأولى ظهيرية ( قوله ولم يبق له أثر ) فإن بقي له أثر فإن شجة لها أرش مقدر لزم وإلا فحكومة ( قوله فإنه لا شيء فيه ) أي عند الإمام كنبات السن .

وفي البرجندي عن الخزانة والمختار قول أبي حنيفة در منتقى وعليه اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما ، لكن قال في العيون : لا يجب عليه شيء قياسا وقالا : يستحسن أن تجب حكومة عدل مثل أجرة الطبيب وهكذا كل جراحة برئت ا هـ ملخصا من تصحيح العلامة قاسم .

قال السائحاني : ويظهر لي رجحان الاستحسان ; لأن حق الآدمي مبني على المشاححة ا هـ . وفي البزازية : لا شيء عليه عند محمد وهذا قياس قول الإمام أيضا ، وفي الاستحسان الحكومة وهو قول الثاني . قال الفقيه الفتوى على قول محمد أنه لا شيء عليه إلا ثمن الأدوية قال القاضي : أنا لا أترك قولهما وإن بقي أثر يجب أرش ذلك الأثر إن منقلة مثلا فأرش المنقلة ا هـ قال الرملي : وتأمل ما بينه وبين ما هنا من المخالفة في سوق الخلاف ، وما هنا هو المذكور في الزيلعي والعيني وغالب الشروح ( قوله وهي حكومة عدل ) أنث الضمير مراعاة للخبر ( قوله قاله المصنف ) وغيره كالزيلعي ( قوله وقد قدمنا ) أي في باب القود فيما دون النفس نحوه أي نحو ما ذكره الطحاوي ( قوله وذكر هنا ) أي صاحب المجتبى في شرح هذه المسألة عنه : أي عن أبي يوسف روايتين حيث قال : وقال أبو يوسف : عليه أرش الألم وقال محمد : عليه أجرة الطبيب وثمن الأدوية وهو رواية عن أبي يوسف زجرا للسفيه وجبرا للضرر ، وإنما أوجب أبو يوسف أرش الألم وأراد به حكومة عدل ، وهو أن يقوم عبدا صحيحا ويقوم بهذا الألم .

ثم قال قلت : فسر حكومة العدل عند أبي يوسف بأجرة الطبيب ، وهكذا رأيته في غير موضع أنه أراد أجرة الطبيب وثمن الأدوية . وقال القدوري : إن أجرة الطبيب قول محمد ( قوله فتنبه ) أشار به إلى أن تفسير الطحاوي إنما يتأتى على إحدى روايتين عن أبي يوسف ط ( قوله ولا يقاد جرح إلا بعد برئه ) لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه } رواه أحمد والدارقطني ، ولأن الجراحات يعتبر فيها ما لها لاحتمال أن تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل فلا يعلم أنه جرح إلا بالبرء فيستقر به زيلعي




الخدمات العلمية