الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم شرع في الحيل فقال ( وإن باع ) رجل ( عقارا إلا ذراعا ) مثلا ( في جانب ) حد ( الشفيع فلا شفعة ) لعدم الاتصال والقول بأن نصب ذراعا سهو سهو ( وكذا ) لا شفعة ( لو وهب هذا القدر للمشتري ) وقبضه ( وإن ابتاع سهما منه بثمن ثم ابتاع بقيمتها فالشفعة للجار في السهم الأول فقط ) والباقي للمشتري لأنه شريك . [ ص: 244 ] وحيلة كله أن يشتري الذراع أو السهم بكل الثمن إلا درهما ثم الباقي بالباقي ، وليس له تحليفه بالله ما أردت به إبطال شفعتي ، وله تحليفه بالله إن البيع الأول ما كان تلجئة مؤيد زاده معزيا للوجيز ( وإن ) ( ابتاعه بثمن ) كثير ( ثم دفع ثوبا عنه فالشفعة بالثمن لا بالثوب ) فلا يرغب فيه ، وهذه حيلة تعم الشريك والجار لكنها تضر بالبائع ، إذ يلزمه كل الثمن إذا استحق المنزل ، فالأولى بيع دراهم الثمن بدينار ليبطل الصرف إذا استحق .

وحيلة أخرى أحسن وأسهل وهي المتعارفة في الأمصار ذكرها بقوله ( وكذا لو اشترى بدراهم معلومة ) [ ص: 245 ] بوزن أو إشارة ( مع قبضة فلوس أشير إليها وجهل قدرها وضيع الفلوس بعد القبض ) في المجلس لأن جهالة الثمن تمنع الشفعة درر .

قلت : ونحوه في المضمرات ، وينبغي أن الشفيع لو قال أنا أعلم قيمة الفلوس وهي كذا أن يأخذ بالدراهم وقيمتها ، كما لو اشترى دارا بعرض أو عقار للشفيع أخذها بقيمته كما مر قاله المصنف ، ثم نقل عن مقطعات الظهيرية ما يوافقه . قلت : ووافقه في تنوير البصائر ، وأقره شيخنا ، لكن تعقبه ابنه في زواهر الجواهر بأنه مخالف للأول ، وما في المتون والشروح مقدم على ما في الفتاوى كما مر مرارا ا هـ . [ ص: 246 ] وقدمنا أنه لا شفعة فيما بيع فاسدا ولو بعد القبض لاحتمال الفسخ نعم إذا سقط الفسخ بالبناء ونحوه وجبت والله أعلم .

التالي السابق


( قوله إلا ذراعا مثلا ) أي مقدار عرض ذراع أو شبر أو أصبع وطوله تمام ما يلاصق دار الشفيع درر ( قوله لعدم الاتصال ) استشكل السائحاني هذه الحيلة بما نقله الشرنبلالي عن عيون المسائل : دار كبيرة ذات مقاصير باع منها مقصورة فلجار الدار الشفعة لأن المبيع من جملة الدار وجار الدار جار المبيع وإن لم يكن متصلا به ا هـ . أقول : المشكل ما في العيون لا ما هنا تأمل ( قوله والقول ) مبتدأ وسهو الثاني خبره ، وهذا رد على صاحب الدرر حيث قال : وكذا لا تثبت فيما بيع إلا ذراع ، وما في الوقاية من قوله إلا ذراعا : بالنصب كأنه سهو ا هـ .

وأجاب عنه في العزمية بأنه مستثنى من ما لا من ضمير بيع ، فالنصب على التبعية باعتبار محل المجرور والتعبية لضمير بيع تقتضي الرفع لأنه كلام تام غير موجب ا هـ ملخصا .

أقول : أما النصب في عبارة المصنف فواجب بلا شبهة لأنه استثناء من كلام تام موجب . وأما في عبارة الوقاية والدرر فكذلك ، والاستثناء من ضمير بيع لا من الموصول وهو من كلام تام موجب أيضا لأن النفي غير متوجه إليه ، يوضحه لو أهانك جماعة إلا زيدا منهم فقلت لا أكرم من أهانوني إلا زيدا على أن زيدا مستثنى من الواو ولا من الموصول وجب فيه النصب لأنه مستثنى من الواو قبل دخول النفي ، لأن المعنى من أهانوني إلا زيدا لا أكرمهم وصار زيد كالمسكوت عنه في حصول الإكرام له وعدمه ، ولو جعلته مستثنى من الموصول بأن كان من المهينين أيضا جاز فيه النصب والرفع لأنه من كلام تام غير موجب وصار محكوما عليه بالإكرام قطعا . وعبارة الدرر من قبيل الأول ، لأن المعنى ما بيع إلا ذراعا لا شفعة فيه ، ولو كان الذراع مستثنى من الموصول لكان المعنى أن الشفعة تثبت فيه ولا يخفى فساده ، فاغتنم هذا التحرير في هذا المقام فقد زل فيه كثير من الأفهام ( قوله لو وهب هذا القدر ) أي الذراع مثلا ، والظاهر أن المراد وهبه بعد بيع ما عدا هذا القدر بقرينة قوله للمشتري : ومثله ما لو باعه له لأنه صار شريكا في الحقوق فلا شفعة للجار ، وعلى هذا فليست هذه حيلة ثانية بل من تتمة الأولى ويحتمل أن الهبة قبل البيع ، فقوله للمشتري من مجاز الأول ، فيشترط في الهبة أن لا تكون بعوض مشروط عليه فهي حيلة ثانية تأمل ( قوله فالشفعة للجار في السهم الأول فقط ) قال في المستصفى : تأويل هذه المسألة إذا بلغه بيع سهم منها فرده ، أما إذا بلغه البيعان فله الشفعة ، والتعليل بقوله لأن الشفيع جار فيها إلا أن المشتري في الثاني شريك فيقدم عليه يقتضي الإطلاق ، وعلى هذا عبارة عامة الكتب كفاية ( قوله لأنه شريك ) [ ص: 244 ] أي نظرا إلى ما قبل الأخذ منه . قال في العناية : لأنه حين اشترى الباقي كان شريكا بشراء الجزء الأول ، واستحقاق الشفيع الجزء الأول لا يبطل شفعة المشتري في الجزء الثاني قبل الخصومة لكونه في ملكه بعد فيتقدم على الجار ا هـ .

قلت : ونظيره ما ذكره الأتقاني إذا اشترى دارا لصيق داره ثم باع داره الأولى ثم حضر جار آخر للثانية يقضى به بالنصف ( قوله وحيلة كله ) أي حيلة منع الشفعة في كل العقار أي لأنه وإن ثبت له الشفعة في السهم الأول ، لكنه إذا رآه بيع بمعظم الثمن تقل رغبته فيمتنع عن أخذه ، ولا يخفى أن الأولى حيلة كله أيضا لأن مشتري الذراع صار شريكا في الحقوق فيقدم على الجار كما قدمناه فكلامه بالنظر إلى الثانية فقط ( قوله أن يشتري الذراع أو السهم ) أي يشتري جزءا معينا كذراع مثلا من أي جهة كانت أو جزءا شائعا كتسع أو عشر .

أقول : وأما ما وقع في كلامهم من حمل الذراع على المذكور في الحيلة الأولى ففيه نظر لاستقلاله فيها بمنع الشفيع عن الكل بلا وقف على كثرة الثمن فافهم .

واعلم أن هذه الحيلة لتقليل رغبة الشفيع كما قدمناه ، والأولى لإبطال شفعته ، وأن هذه الحيلة مضرة للمشتري لو كانت الدار لصغير لعدم جواز بيع الباقي بالباقي لما فيه من الغبن الفاحش فيلزم المشتري السهم بالثمن الكثير ، ولا يجوز شراؤه للباقي كما في غاية البيان .

[ فائدة ]

إذا خاف أحدهما أن لا يوفي صاحبه يشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام ، فإذا لم يوف له في المدة فسخ فيها وإن خافا شرط كل منها الخيار لنفسه ثم يجيزان معا ، وإن خاف كل منهما إذا أجاز أن لا يجيز صاحبه يوكل كل منهما وكيلا ويشترط عليه أن يجيز بشرط أن يجيز صاحبه زيلعي بزيادة ( قوله وليس له تحليفه إلخ ) سيأتي آخر الباب تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه إن شاء الله تعالى ( قوله ما كان تلجئة ) بيع التلجئة : هو أن يظهرا عقدا وهما لا يريدانه يلجئ إليه خوف عدوه وهو ليس ببيع في الحقيقة ، بل كالهزل كما تقدم قبيل كتاب الكفالة ح ( قوله وإن ابتاعه ) أي ابتاع العقار كما يظهر من كلام الشرح ، ولا مانع من إرجاع الضمير إلى السهم تأمل ( قوله بثمن كثير ) كأضعاف قيمته ( قوله ثم دفع ثوبا عنه ) أي دفع عن ذلك الثمن الكثير أي بدله ثوبا قيمته كقيمة المبيع ( قوله لا بالثوب ) لأن الثوب عوض عما في ذمة المشتري فيكون البائع مشتريا للثوب بعقد آخر غير العقد الأول زيلعي ( قوله فلا يرغب ) أي الشفيع في ذلك المبيع لكثرة الثمن ، وأشار إلى أن هذه الحيلة لا تبطل شفعته إذ لو رضي بدفع ذلك الثمن له الأخذ ، بخلاف الحيلة الأولى كما قدمناه ( قوله وهذه حيلة تعم الشريك والجار ) أي بخلاف ما قبلها فإنهما لا يحتال بهما في حق الشريك ، أما الأولى فظاهر ، وأما الثانية فلأن للشريك أخذ نصف الباقي بنصف الباقي من الثمن القليل ( قوله لكنها تضر بالبائع ) الأولى قد تضر ( قوله إذ يلزمه كل الثمن إلخ ) لوجوبه عليه بالبيع الثاني ثم براءته ، كأن حصلت بطريق المقاصة بثمن العقار ، فإذا استحق بطلت المقاصة زيلعي

( قوله بدينار ) الأولى بدنانير بقدر قيمة العقار كما عبر الزيلعي ( قوله ليبطل الصرف إذا استحق ) لأنه يكون صرفا بما في ذمته من الدراهم ، فإذا استحق العقار تبين أن لا دين على المشتري فيبطل الصرف للافتراق قبل [ ص: 245 ] القبض فيجب رد الدنانير لا غير زيلعي ( قوله مع قبضة فلوس إلخ ) القبضة بالفتح وضمه أكثر : ما قبضت عليه من شيء قاموس ، ومثلها الخاتم المعلوم العين المجهول المقدار كما في المنح ( قوله أشير إليها ) قيد به ليصح إلحاقها بالثمن ، وبقوله وجهل قدرها لتسقط الشفعة ، وبقوله وضيع إلخ لئلا يمكن للشفيع معرفتها ، ولذا زاد في المجلس أخذا من قول المنح عن المضمرات ثم يستهلكه من ساعته فافهم ( قوله عن مقطعات الظهيرية ) أي من كتاب الشفعة ، وعادته التعبير عن المتفرقات بالمقطعات ، ولم يذكر في المنح لفظ مقطعات بل ذكره الرملي ، ونص ما فيها : اشترى عقارا بدراهم جزافا واتفق المتبايعان على أنهما لا يعلمان مقدار الدراهم وقد هلك في يد البائع بعد التقابض فالشفيع كيف يفعل ؟ قال القاضي الإمام عمر بن أبي بكر : يأخذ الدار بالشفعة ثم يعطي الثمن على زعمه إلا إذا أثبت المشتري زيادة عليه ا هـ .

أقول : وهذا مشكل ، إذ كيف يحل له الأخذ جبرا على المشتري بمجرد زعمه مع أن الشفيع إنما له الأخذ بما قام على المشري من الثمن ، اللهم إلا أن يكون عالما بقدره بقرينة قوله إلا إذا أثبت المشتري زيادة عليه فإنه يدل على أن الثمن علم قبل هلاكه فتأمل ( قوله وأقره شيخنا ) أي الخير الرملي في حاشية المنح وفي فتاواه الخيرية ( قوله لكن تعقبه ابنه ) ابن المصنف ( قوله بأنه مخالف للأول ) أي ما في المتن .

أقول : لا مخالفة ، بل غايته أنه تخصيص لإطلاق الأول لأنه ليس فيه أن هذه الحيلة باطلة بل إن صحتها مبنية على ما إذا وافقهما الشفيع على عدم معرفة الفلوس ، فإن كان يعلمها وادعى ذلك فقد بطلت الحيلة لعدم الجهالة المانعة من حكم الحاكم ، ويدل على هذا التخصيص نفس كلام المضمرات حيث علل السقوط بها بأن الشفيع يأخذ المبيع بمثل الثمن أو قيمته ، وهنا يعجز القاضي عن القضاء بهما جميعا بسبب الجهالة .

وقال الرملي : ظاهر ما في الظهيرية أن الشفيع لا يحلف على ما زعم ، لأن المتبايعين لم يدعيا قدرا معينا أنكره الشفيع بل اتفقا على أنهما لا يعلمان قدر الثمن ، فلا يقال إنه منكر فلا يحلف . وبهذا علم أن هذه الحيلة إنما تتم لو وافقهما الشفيع على عدم المعرفة ، ويشير إليه قولهم لتعذر الحكم فتأمل ا هـ وهو عين ما قلناه ( قوله وما في المتون ) كالغرر والشروح كالمضمرات فإنه شرح على القدوري ، وقوله مقدم خبر ما وذلك لأن مسائل المتون هي المنقولة عن أئمتنا الثلاثة أو بعضهم وكذلك الشروح ، بخلاف ما في الفتاوى فإنه مبني على وقائع تحدث لهم ويسألون عنها وهم من أهل التخريج فيجيب كل منهم بحسب ما يظهر له تخريجا على قواعد المذهب إن لم يجد نصا ولذا ترى في كثير منها اختلافا ، ومعلوم أن المنقول عن الأئمة الثلاثة ليس كالمنقول عمن بعدهم من المشايخ ولا يخفى عليك أن مسألتنا هذه ليست كذلك فإنها لم تذكر في المتون التي شأنها كذلك كمختصر القدوري والهداية والكنز والوقاية والنقاية والمجمع والملتقى والمواهب والإصلاح . وقد قال في المنح : ولم أقف على هذه الحيلة في غير الكتاب المذكور يعني الدرر والغرر ثم رأيتها في المضمرات ا هـ : وذكرها في المضمرات لا يدل على أنها [ ص: 246 ] منقولة عن أئمة المذهب حتى تترجح على ما في الفتاوى ، كيف وكثير من الشروح كالنهاية وغيرها ينقلون عن أصحاب الفتاوى فيحتمل أنه نقلها عنهم أيضا فتأمل منصفا ( قوله وقدمنا إلخ ) هذه ذكرها الرملي عن حاوي الزاهدي من جملة الحيل .

أقول : ولا شبهة في أنه لا يحل فعلها وأنها مضرة لفاعلها في دينه بمباشرة العقد الفاسد وفي دنياه إذا طلب الشفيع بعد ما سقط الفسخ ببناء ونحوه




الخدمات العلمية