الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن غلبوا على بلاد فأخذوا صدقات أهلها ، وأقاموا عليهم الحدود لم تعد عليهم " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح ، إذا تغلب أهل البغي على بلد فأخذوا صدقاتها وجبوا خراجها وأقاموا الحدود على أهلها ، أمضى الإمام ما فعلوه إذا ظهر على بلادهم ولم يطالب بما جبوه من الحقوق ، ولم يعد ما أقاموه من الحدود : لأن عليا رضوان الله عليه أمضى ذلك ولم يطالب به .

                                                                                                                                            ولأنهم متأولون في جبايته وإقامته .

                                                                                                                                            ولأنه لا يلزم أن يؤدي زكاة عام مرتين ، ولا يقام على زان حدان .

                                                                                                                                            فإن ادعى أصحاب الحدود إقامتها عليهم قبل قولهم فيها ، ولم يحلفوا عليها : لأنها حدود تدرأ بالشبهات .

                                                                                                                                            فإن ادعى من عليه الحقوق ، دفعها إليهم .

                                                                                                                                            فإن كانت زكاة قبل قولهم في دفعها ولم يكلفوا البينة عليها : لأنهم فيها أمناء .

                                                                                                                                            فإن اتهموا أحلفوا ، وفي يمينهم بعد اعترافهم بوجوبها وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنها مستحبة ، إن نكلوا عنها لم تؤخذ منهم .

                                                                                                                                            والثاني : أنها واجبة ، إن نكلوا عنها أخذت منهم بالاعتراف المتقدم ، دون النكول .

                                                                                                                                            وإن كان الحق الذي ادعوا أداءه جزية أو خراجا :

                                                                                                                                            فإن كان على كافر : كلف البينة ، ولم تقبل دعواه : لأن الجزية أجرة ، والخراج إما [ ص: 134 ] أن يكون ثمنا أو أجرة ، ولا يقبل قول المستأجر في دفع الأجرة ، ولا قول المشتري في دفع الثمن إلا ببينة .

                                                                                                                                            فإن أقاموا البينة على دفعها برئوا .

                                                                                                                                            وإن لم يقيموها أخذت منهم الجزية والخراج .

                                                                                                                                            وإن كان الخراج على مسلم : ففي قبول قوله في دفعه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يقبل قوله فيه ، ويحلف إن اتهم عليه كالزكاة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو أصح ، أن قوله فيه غير مقبول حتى يقيم البينة على الأداء ، فإن لم يقمها أخذت منه .

                                                                                                                                            فإن أحضروا خطوطا بقبضها . . فإن كانت محتملة للشبهة : لم يعمل بها في الأحكام ، ولا في حقوق الأموال .

                                                                                                                                            وإن كانت سليمة من الاحتمال ظاهرة الصحة ، لم يعمل عليها في الأحكام ، ولا في حقوق المعاملات .

                                                                                                                                            وفي جواز العمل بها في حقوق بيت المال وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يجوز العمل بها ، اعتبارا بالعرف فيها .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو أصح ، أنه لا يجوز بها على العموم في جميع الأحكام والحقوق : لدخول الاحتمال فيها وإمكان التزوير عليها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية