الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل :

                                                                                                                                            فأما إذا أنكر السرقة بعد دعواها عليه ، فلا يخلو أن يكون لمدعيها بينة أو لا يكون ، فإن كانت له بينة سمعناها ، والبينة بينتان : عامة ، وخاصة . فالعامة : ما أوجبت القطع والغرم . والخاصة : ما أوجبت الغرم ولم توجب القطع .

                                                                                                                                            فأما العامة الجامعة للأمرين فهي شاهدان عدلان ، وكمال شهادتهما معتبر بخمسة شروط :

                                                                                                                                            أحدها : ذكر السارق .

                                                                                                                                            والثاني : ذكر المسروق منه .

                                                                                                                                            والثالث : ذكر الحرز .

                                                                                                                                            والرابع : ذكر المال .

                                                                                                                                            والخامس : صفة السرقة .

                                                                                                                                            لأن الحكم فيها يختلف باختلاف هذه الخمسة ، فلزم اعتبارها في الشهادة . وإذا كان كذلك لم يخل حال الأعيان من هذه الخمسة من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : أن تكون حاضرة .

                                                                                                                                            والثاني : أن تكون غائبة .

                                                                                                                                            والثالث : أن يكون بعضها حاضرا ، وبعضها غائبا .

                                                                                                                                            فإن كانت حاضرة ، فعلى الشاهدين أن يعينا الشهادة بالإشارة ، فيقولان : نشهد أن هذا الرجل بعينه سرق من مال هذا الرجل بعينه ، من هذا الحرز بعينه ، هذا المال بعينه . ثم يصفان السرقة : لأنها فعل ماض لا تمكن الإشارة إليه فيه فيقولان : نقب الحرز ودخله ، وأخرج من هذه السرقة . وإن كان ذلك كله غائبا ، فعلى الشاهدين أن يصفا من ذلك ما يقوم مقام التعيين بالإشارة ، فيقولان : نشهد أن فلان بن فلان الفلاني سرق من مال فلان بن فلان الفلاني ، من حرز يصفانه ، ولا يجوز أن يطلقاه : لاختلاف الفقهاء في الحرز الذي يقطع منه . ويصفا المال بما تزول عنه الجهالة ، فإن كان ذا مثل لم يحتاجا فيه إلى ذكر القيمة في الشهادة ، لكن يعتبرها الحاكم في القطع . فإن لم يكن ذا مثل ذكرا قيمته . فإن شهدا بسرقة نصاب لم تسمع : لاختلاف الفقهاء في نصاب السرقة . ثم يصفان السرقة لما فيها من الاختلاف . فإذا استكملا الشهادة على ما بيناه حكم بشهادتهما في وجوب القطع والغرم . وإن كان بعض ذلك حاضرا وبعضه غائبا ، اعتبر في الحاضر الإشارة وفي الغائب الصفة . فإن اختلف الشاهدان في صفة المسروق ، فشهد أحدهما أنه سرق ثوبا مرويا ، وشهد الآخر أنه سرق ثوبا هرويا ، لم تكمل هذه الشهادة ، وكان اختلافهما في الصفة كاختلافهما في الجنس . [ ص: 336 ] وقال أبو حنيفة : هذه شهادة كاملة يجب بها القطع : لاتفاقهما على الجنس ، فلم يؤثر اختلافهما في الصفة . وهذا فاسد : لأن اختلافهما في الصفة يمنع من اتفاقهما على العين ، فصار كاختلافهما في الجنس المانع من الاتفاق على العين ، فوجب أن يكون القطع فيهما ساقطا .

                                                                                                                                            وأما البينة الخاصة الموجبة للغرم دون القطع : فهي شاهد وامرأتان ، وشاهد ويمين : لأنها بينة توجب المال ولا توجب الحد ، وفي السرقة مال وحد ، فإن ثبت بينة الحدود جمع بين الغرم والقطع . وإن قام بينة الأموال وجب الغرم دون القطع ، ولا يلزم في هذه الشهادة ذكر الحرز وصفة السرقة : لأنهما شرطان في القطع دون الغرم ، وإن عدم المدعي البينة فلم يقمها على حد ولا مال أحلف السارق على إنكاره ، وسقط عنه إذا حلف الغرم والقطع . فإن نكل عن اليمين ردت على المدعي ، فإذا حلف حكم له بالغرم . فأما القطع فلا يجب : لأنه من حدود الله تعالى المحضة التي لا تدخلها الأيمان في إثبات ولا إنكار ، فصارت اليمين فيه مقصورة على الغرم دون القطع .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية