الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وتجوز الوكالة في تثبيت البينة على القتل عمدا أو خطأ ، فإذا كان القود لم يدفع إليه حتى يحضر الولي أو يوكله بقتله فيكون له قتله " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : قد مضت هذه المسألة في كتاب الوكالة ، وأعادها المزني في أول كتاب الجنايات ، ثم كررها في هذا الموضع من كتاب القسامة ، ونحن نشير إليها مع تقدم استيفائها . والوكالة ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : في تثبيت القصاص ، فتصح في قول الجمهور : ولأنها وكالة في إثبات حق . ومنع منها أبو يوسف : لأنه حد يدرأ بالشبهة . فإذا ثبت القصاص لم يكن للوكيل أن يستوفيه في قول الجمهور : لقصور تصرفه على ما تضمنته الوكالة من تثبيت القصاص دون استيفائه . وجوز له ابن أبي ليلى الاستيفاء : لمطلق الوكالة ، كما جوز له بمطلقها في المبيع قبض الثمن ، وقد ذكرنا الفرق بينهما ، فإن اقتص الوكيل وجب عليه القود . [ ص: 87 ] والضرب الثاني : أن يكون له استيفاء القصاص . فظاهر ما نص عليه في هذا الموضع جواز الوكالة ، وظاهر ما نص عليه في كتاب الوكالة بطلانها ، فاختلف أصحابنا ، فمنهم من خرجه على اختلاف قولين ، وقد شرحنا كلا الطريقتين ، فإن قيل : بأن الوكالة في الاستيفاء لا تصح ، منع الوكيل من القصاص ، فإن اقتص فقد أساء ، ولا ضمان عليه : لأنه مأذون له فيه مع فساد عقده . وإن قيل : بجواز الوكالة في الاستيفاء ، فإن عقدت الوكالة بعد ثبوت القصاص صحت ، وإن عقدت قبل ثبوت القصاص ففي صحتها وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي : لا تصح الوكالة لعقدها قبل ثبوت الاستحقاق .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : تصح الوكالة : لأن القصاص مستحق بالقتل ، فصارت الوكالة معقودة بعد الاستحقاق ، وهكذا لو جمع له في عقد الوكالة بين تثبيت القصاص ، وبين استيفائه ، صحت الوكالة في إثباته ، وفي صحتها في استيفائه وجهان .

                                                                                                                                            فإذا صحت الوكالة في الاستيفاء ، فهل يلزم إحضار الموكل إلى حيث يعلم الوكيل أو الحاكم بطلبه وعفوه ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي ، يلزم حضوره إلى حيث لا يخفى على الوكيل أو الحاكم حاله في بقائه على الطلب أو حدوث العفو : لأنه قود يفوت استدراكه ، والظاهر من أحوال أهل الدين الذين وصفهم الله تعالى بالرأفة والرحمة أن يعفو بعد ظهور القدرة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يلزم أن يقرب كما لم يلزمه أن يحضر : لأن ظاهر حاله بقاؤه على استيفاء ما وكل فيه ، ولا يمنع من ذلك فوات استدراكه كما لم يمنع من التوكيل في عقد النكاح ، وفي الطلاق الثلاث ، مع فوات استدراكه ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية