الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " فإن ترك ابنين كبيرا وصغيرا أو غائبا وحاضرا ، أكذب أخاه وأراد الآخر اليمين ، قيل له : لا تستوجب شيئا من الدية إلا بخمسين يمينا ، فإن شئت فاحلف خمسين يمينا وخذ من الدية مورثك ، وإن امتنعت فدع حتى يحضر معك وارث تقبل يمينه ، فيحلفان خمسين يمينا . فإن ترك ثلاثة بنين ، حلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينا ، يجبر عليهم كسر اليمين . فإن ترك أكثر من خمسين ابنا ، حلف كل واحد منهم يمينا يجبر الكسر من الأيمان " . قال الماوردي : وهذه المسألة وما يليها تتفرع على القول الذي يقسم فيه أيمان القسامة على قدر المواريث . فإذا خلف المقتول ابنين ، أحدهما صغير والآخر كبير ، أو أحدهما حاضر والآخر غائب ، أو أحدهما مدع قتل أبيه ، والآخر مكذب له ، فإن للكبير أن يقسم قبل بلوغ الصغير ، وللحاضر أن يقسم قبل قدوم الغائب ، فأما المكذب ؛ فهل تسقط قسامته بتكذيب أخيه أم لا ؟ على قولين نذكرهما في الباب الآتي ، فإن أراد [ ص: 41 ] البالغ الحاضر أن يقسم ، أو المكذب في أحد القولين ، قيل له : لا يحكم لك بحقك من الدية إلا أن تستوفي أيمان القسامة كلها . وإن كان يلزمك في الاجتماع بعضها : لأن عدد الأيمان حجة لك في قبول دعواك كالبينة ، فلم يجز أن يحكم بها إلا بعد استيفائها ، كما لا يحكم بالبينة إلا بعد كمالها . فإذا حلف خمسين يمينا حكم له بحقه من الدية ، فإذا بلغ الصغير ، أو قدم الغائب لم يحكم له بحقه من الدية حتى يحلف على دمه . فإن قيل : فالأيمان في القسامة حجة كالبينة ، فهلا كان وجودها من بعضهم حجة لجميعهم كالبينة ؟ قيل : الفرق بينهما من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن النيابة في إقامة البينة تصح ، وفي الأيمان لا تصح .

                                                                                                                                            الثاني : أن البينة حجة عامة ، والأيمان حجة خاصة ، فلهذين الفرقين لم يثبت حقه فيها بأيمان أخيه ، وإن ثبت حقه ببينته .

                                                                                                                                            فإذا أراد أن يحلف حلف خمسة وعشرين يمينا : لأنه واحد من اثنين فصارا بعد أيمان الأخ كالمجتمعين ، فلو كان معهما ثالث غائب ، حلف إذا حضر سبعة عشر يمينا : لأنه واحد من ثلاثة . فإن كان معهم رابع ، حلف إذا حضر ثلاثة عشر يمينا : لأنه واحد من أربعة . مثال هذا : الشفعة إذا استحقها أربعة وحضر أحدهم ، كان له أخذ جميعها ، ولم ينفرد بحقه منها : لأنه قد يجوز أن يعفو عنها شركاؤه ، فصار فيها كالمنفرد بها ، فإذا قدم الثاني أخذ النصف : لأنه واحد من اثنين ، فإذا قدم الثالث أخذ الثلث : لأنه واحد من ثلاثة . فإذا قدم الرابع أخذ الربع : لأنه واحد من أربعة .

                                                                                                                                            قال الشافعي : " فإن ترك أكثر من خمسين ابنا حلف كل واحد منهم يمينا يجبر عليه كسر اليمين " . وهذا صحيح : لأن اليمين لا تتبعض ، فلذلك جبرنا كسرها ، كما يجبر كسر الطلاق والإقرار ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية