الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ويقطع بأخف مؤنة وأقرب سلامة " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح ، إذا أراد الإمام قطع يد السارق فينبغي أن يساق إلى موضع القطع سوقا رقيقا لا يعنف به ، ولا يقابل بسب ولا شتم ولا تعيير ، ولا يقطع قائما حتى يجلس ، ويمسك عند القطع حتى لا يضطرب ، وتمد يده بحبل حتى [ ص: 324 ] يتبين مفصلها ، ويتولى قطعه مأمون عارف بالقطع بأحد سكين وأمضاها ، ولا يضربها بالسكين فربما يخطئ موضع المفصل ، ولكن يضع السكين عليها ويعتمد جذبها بقوته حتى تنفصل بجذبة واحدة لا يكررها ، فإن لم تنفصل بجذبة واحدة أعادها حتى تنفصل ، ولا يدق السكين بحجر ، فإذا انفصلت حسم موضع القطع من يده ، فإن كان بدويا حسم بالنار : لأنها عادتهم ، وإن كان حضريا أغلى لها الزيت وحسمت فيه : لأن حسمها بالنار والزيت يسد أفواه العروق فتنقطع مجاري الدم ، فيقل الخوف على نفسه .

                                                                                                                                            وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما إخاله سرق . فقال السارق : بلى يا رسول . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فاقطعوه ، ثم احسموه ، ثم ائتوني به . فقطع وأتي به فقال : تب إلى الله . فقال : قد تبت إلى الله . قال : تاب الله عليك .

                                                                                                                                            فإن امتنع المقطوع من حسم يده ، فإن كان قطعها في قصاص لم يجبر على حسمها : لخروجه عن حدود الله ، وإن كان قطعها في سرقة ففي إجباره على حسمها وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يجبر على حسمها : لأنه من تمام حد الله تعالى فيه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يجبر : لأنه يجري مجرى التداوي عن مرض ، وكما لا يجوز في القصاص ، ولا يجوز أن يحبس بعد قطعه ولا يشهر في الناس : لأن قطعه شهرة كافية ، ويطلق لوقته . ومن السنة أن يشد كفه المقطوعة في عنقه ، عند إطلاقه ، روى عبد الرحمن بن محيريز قال : سألنا فضالة بن عبيد عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو ؟ قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده ، ثم أمر بها فعلقت في عنقه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية