الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا وجبت عليه كفارة القتل في الخطأ ، وفي قتل المؤمن في دار الحرب ، كانت الكفارة في العمد أولى . ( قال المزني ) رحمه الله : واحتج بأن الكفارة في قتل الصيد في الإحرام والحرم عمدا أو خطأ سواء ، إلا في المأثم ، فكذلك كفارة القتل عمدا أو خطأ سواء ، إلا في المأثم " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال : الكفارة تجب في قتل العمد والخطأ .

                                                                                                                                            وأوجبها أبو حنيفة ومالك في قتل الخطأ ، وأسقطاها في قتل العمد سواء وجب في القود أو لم يجب : استدلالا بقوله تعالى : ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ، فجعل الخطأ شرطا في وجوب الكفارة ، فوجبت أن ينتفي عن العمد : لعدم الشرط ، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : العمد قود فجعل موجب العمد استحقاق القود . فدل على أنه لا يجب في غير القود ، ولأنه سبب يوجب القتل فلم يوجب الكفارة كالزنى والردة ، ولأنه قتل عمد فلم تجب فيه الكفارة ، كالقصاص ، ولأن القصاص عقوبة على بدن ، والكفارة حق في مال فلم يجتمعا في القتل الواحد كالقصاص مع الدية .

                                                                                                                                            ودليلنا : ما رواه واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا استوجب النار بالقتل ، فقال : أعتقوا عنه رقبة ، يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار وهو لا يستوجب النار إلا في العمد .

                                                                                                                                            فإن قيل : فقد أمر بها غير القاتل ، فدل على أنها غير واجبة على القاتل . قلنا : الخطاب وإن توجه إلى السائل ، فالمراد به القاتل : لأنه أوجبها بالقتل . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : يا رسول الله ، إني وأدت في الجاهلية . فقال : أعتق عن كل موؤود رقبة ، وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تحفر تحت الحامل إذا ضربها الطلق حفيرة ، يسقط فيها ولدها إذا وضعته ، فإن كان ذكرا أخرجوه منها ، وإن كان أنثى تركت في حفرتها ، وطم التراب عليها حتى تموت ، وهذا قتل عمد ، وقد أوجبت فيه الكفارة . [ ص: 68 ] ومن القياس : أنه قتل آدمي مضمون ، فوجب أن تستحق فيه الكفارة كالخطأ ، ولأن كل كفارة وجبت بقتل الخطأ وجبت بقتل العمد كجزاء الصيد ، ولأن الكفارة إذا وجبت على الخاطئ مع عدم المأثم كان وجوبها على العامد مع المأثم حقا ، كما قال تعالى : ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ البقرة : 185 ] ، فلما أوجب القضاء على المفطر معذورا بمرض أو سفر ، كان وجوبه على من أفطر عمدا بغير عذر أحق ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها .

                                                                                                                                            وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : القتل كفارة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو الصحيح ، أن الكفارة على وجوبها لا تسقط بالقود : لأنها حق الله تعالى فلم تسقط بتأدية حق الآدمي ، كما لم تسقط بأداء الدية .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية