الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الرابع في تبرك أصحابه رضي الله تعالى عنهم بكل شيء منه صلى الله عليه وسلم أو اتصل به ومحافظتهم على ذلك كله واغتباطهم به وتعظيمهم له صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                                              روى الشيخان والبرقاني وأبو سعيد بن الأعرابي رضي الله عنه عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري تعليقا وأسنده الإسماعيلي عن أبي موسى رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة فذكر حديثا وفيه ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه ومج فيه ، ثم قال لهما : «اشربا منه ، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما » الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري تعليقا وأسنده الإسماعيلي عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة يصدق كل واحد منهما صاحبه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري وغيره عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت ، ولا يريد قتالا ، فذكر الحديث ، وفيه : أن قريشا بعثت إليه عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه فجعل عروة يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه قال : فو الله ما نخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، ما يحدون النظر إليه تعظيما له ، فرجع إلى أصحابه ، وقد رأى ما يصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش ، إني جئت كسرى في ملكه ، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما ، فو الله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وكفه ، وإن أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا ، فروا رأيكم فيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا [ ص: 38 ] صلى الغداة جاء خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء فلم يؤت بإناء إلا غمس يده فيه فربما في الغداة جاءوا الباردة فيغمس يده فيها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو القاسم البغوي أن أبا محذورة كانت له قصة في مقدم رأسه يرسلها فتبلغ الأرض إذا جلس فقلنا له : ألا تحلقها ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح عليها بيده ، فلم أكن لأحلقها حتى أموت ، فما حلقها حتى مات .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو سعيد بن الأعرابي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنت يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بتمر يفرقه علينا وكنا ندنيه منه ليمسه لما نرجو من بركة يده ، فإذا رآه قد اجتمع فرقه بيننا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن عروة عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن ابن أختي وقع فمسح رأسي ، ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما قال : فو الله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني عن الأسلع بن شريك قال : كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة ، وكرهت أن أرحل ناقته ، وأنا جنب وخشيت أن أغتسل بالماء البارد ، فأمرض ، فأموت فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها ووضعت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت ثم لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال لي : «يا أسلع مالي أرى راحلتك قد تغيرت ؟ » فقلت : يا رسول الله ، لم أرحلها ، رحلها رجل من الأنصار .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عن أم إسحاق قالت : هاجرت مع أخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي :

                                                                                                                                                                                                                              نسيت نفقتي بمكة ، فرجع ليأخذها فقتله زوجي ، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له :

                                                                                                                                                                                                                              أخي قتل ، فأخذ كفا من ماء فنفخه في وجهي ، فكانت تصيبها المصيبة ، فترى الدموع في عينيها ولا تسيل على خدها .


                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد الرزاق عن الزهري ، قال : حدثني من لا أتهم من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدروا نخامته ، فمسحوا بها وجوههم وجلودهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

                                                                                                                                                                                                                              «لم تفعلون هذا ؟ » فقالوا : نلتمس البركة
                                                                                                                                                                                                                              . [ ص: 39 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عدي عن أبي العشراء عن أبيه قال : لما مرض أبي أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرنه إلى قدمه ثلاث مرات بريقه إلى جسده .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كحل علي ببزاقه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن العطاف بن خالد بن أمية أن زينب بنت أبي سلمة دخلت . وهي صغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغتسله فنضح في وجهها الماء وقال :

                                                                                                                                                                                                                              «ارجعي» ، قال عطاف : قالت أمي : ورأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء .


                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الحسن بن الضحاك وأبو يعلى بسند صحيح عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال : اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلق شعره فاستبق الناس إلى شعره ، فسبقت إلى الناصية فأخذتها فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة فما وجهت في وجه إلا فتح لي .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو علي بن السكن ثنا عبد الملك بن عبد الرحمن أنبأنا محمد بن إسماعيل أنبأنا إبراهيم بن المنذر ثنا عياش بن أبي شملة عن موسى بن يعقوب عن مصعب بن الأسقع عن رشح بن عبد الله بن إسماعيل عن أبي سعيد أن أباه مالك بن سنان لما أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه يوم أحد مص دم رسول الله صلى الله عليه وسلم وازدرده فقال له : «أتشرب الدم ؟ » قال : أشرب دم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «من خالط دمي دمه لا يضره الله» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو القاسم البغوي ثنا صلت بن مسعود حدثنا موسى بن محمد بن علي الأنصاري حدثني أبي حدثتني أمي أم سعد بنت مسعود بن حمزة بن أبي سعيد الخدري أنها سمعت أم عبد الرحمن ابنة أبي سعيد تحدث عن أبيها وقال في آخره ، وقال : من أحب أن يخالط ينظر إلى من خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان .

                                                                                                                                                                                                                              وقال البزار أنبأنا إسحاق أنبأنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال حدثنا إبراهيم بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده سفينة قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «وغيب عني الدم» ، فذهبت فشربته ، ثم جئته فقال : «ما صنعت ؟ » قلت : غيبته ، قال : «أشربته ؟ » قلت : نعم .

                                                                                                                                                                                                                              رواه بقي بن مخلد عبد الله بن عمر الخطابي عن ابن فديك قال : حدثتني برثة بنت عمير بن سفينة عن أبيه عن جده ، قال : حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاما فأمر أن يوارى الدم من الطير والدواب فذهبت فشربته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فضحك ولم يقل لي شيئا . [ ص: 40 ]

                                                                                                                                                                                                                              وقال أبو القاسم البغوي أنبأنا ابن حميد الداري حدثنا مجاهد ثنا رباح النوني وأبو محمد مولى آل الزبير ، قال : سمعت أسماء بنت أبي بكر تقول للحجاج : إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ، فدفع دمه إلى ابني فشربه فأتاه جبريل فأخبره فقال : «ما صنعت ؟ » قال : كرهت أن أصب دمك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تمسك النار» ، ومسح على رأسه ، وقال : «ويل للناس منك ، وويل لك من الناس» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال : ذهبت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح برأسي ودعا لي بالرزق .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى والبزار بإسناد حسنه الأبوصيري في التحفة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم ، فلما فرغ قال : «يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراه أحد فلما برزت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدت إلى الدم فحسوته فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ما صنعت يا عبد الله ؟ » قال : جعلته في مكان ظننت أنه خاف عن الناس ، قال : «فلعلك شربته ؟ » قال : نعم قال : «ومن أمرك أن تشرب الدم ويل لك من الناس وويل للناس منك» .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو سلمة فحدثت أبا عاصم بهذا الحديث فقال : كانوا يرون أن القول ألقى به من ذلك اليوم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم ثم قال : «خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والناس» قال : فذهبت فتغيبت فقال لي : «ما صنعت ؟ » ، قلت : شربته ، فتبسم ، في سنده مجهول .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى عن أم أيمن رضي الله عنها قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فخارة في جانب البيت ، فبال فيها فقمت من الليل ، وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يا أم أيمن قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة» قالت : قد والله شربت ما فيها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال : «أما إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك» . [ ص: 41 ]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية