الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              التنبيه الثاني قال الزركشي في "الخادم" : قال العلماء إنما يصح رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأحد رجلين : أحدهما : صحابي فرآه فعلم صفته فانطبع في نفسه مثاله ، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان .

                                                                                                                                                                                                                              وثانيهما : رجل تكررت عليه صفاته -صلى الله عليه وسلم- المنقولة في الكتب حتى انطبعت صفاته في نفسه ومثاله المعصوم كما حصل ذلك لمن شاهده ورآه ، فإذا رآه جزم برؤية مثاله -صلى الله عليه وسلم- كما جزم به من رآه وأما غير هذين فلا يحصل الجزم بل يجوز أن يكون رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثاله ويحتمل أن يكون من تخيل الشيطان ، ولا يفيده قوله للذي رآه أنا رسول الله ولا قول من يحضر معه ، ذكر ذلك القرافي في كتاب "القواعد" وأخذ بعض ذلك من كلام شيخه ابن عبد السلام قال : فإذا تقرر هذا فكيف يقولون أن الذي رآه شيخا أو شابا أو أسود أو أبيض إلى غير ذلك من الصفات ؟ .

                                                                                                                                                                                                                              والجواب أن هذه صفات الرائين وأحوالهم تظهر فيه وهو كالمراد له قلت لبعض مشايخي فكيف يبقى المثال مع هذه الأحوال المعتادة فقال لي لو كان لك أب شاب فغبت عنه ثم جئته فوجدته شيخا أو أصابه يرقان فاصفر أو اسود أو غير ذلك ، أكنت تشك أنه أبوك ؟ قلت : لا ، قال : ما ذاك إلا لما ثبت في نفسك مثاله المتقدم عندك فذلك ثبت عنده حال النبي -صلى الله عليه وسلم- هكذا لا يشك فيه مع عروض هذه الأحوال ، فإذا صح له وانضبط فالسواد يدل على ظلم الرائي ، والعمى يدل على عدم إيمانه ، لأنه إدراك ذهب إلى غير ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : قال في أصل الروضة : لا يعمل بما يسمعه منه الرائي -صلى الله عليه وسلم- مما يتعلق بالأحكام لعدم ضبط الرائي لا الشك في الرؤية فإن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه وذكر نحوه ابن الصلاح في فتاويه وقال ليس ذلك لعدم الوثوق بالمرئي بل من جهة عدم الوثوق بضبط الرائي وأن حالة النوم حالة غفلة وبطلان القوة الحافظة لما يجري في النوم على التفصيل انتهى . [ ص: 470 ]

                                                                                                                                                                                                                              وبذلك جزم القاضي الحسين في فتاويه ، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه .

                                                                                                                                                                                                                              قال النووي-رحمه الله تعالى- أما إذا رآه يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل به على وقفه ، لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام بل ما تقرر من أصل ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              فائدة : نقل الزركشي عن الشيخ عز الدين بن خطيب الأشموني قال : أخبرني والدي أن إنسانا رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام وقال له اذهب إلى موضع كذا وخذ منه ما فيه من ركاز ولا خمس عليك فيه وأنه توجه إليه فوجده كما أخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه استفتى الفقهاء بدمشق فكلهم أفتاه بعدم الوجوب ، وقالوا قد ظهرت دلائل صدق الرؤيا والشيطان ممنوع من التمثيل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال وأفتاه شيخنا الشيخ عز الدين بن عبد السلام بوجوب الخمس عليه ، واستدل على ذلك بأن طريق رفع القواعد النسخ فلا نسخ بعد انقطاع الوحي بموته -صلى الله عليه وسلم- قال ثم إني حكيت هذه الحكاية لشيخنا الشيخ تقي الدين القشيري بن دقيق العيد فصدق روايتها وزاد على ذلك أن الشيخ عز الدين إنما كان يرى ذلك من باب الترجيح على تقدير صدق المنام قال وأظن أنه أراد الترجيح أن رواية الجمهور وجوب الخمس أيضا ورواية هذا شاذة في منام انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              السابعة والعشرون : وبأنه -صلى الله عليه وسلم- كان لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

                                                                                                                                                                                                                              روى الشيخان عن صفوان بن يعلى بن أمية أن رجلا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متضمخا بالطيب فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعد ما تضمخ بطيب ، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساعة فجاءه الوحي ثم سري عنه ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "أين الذي سأل عن العمرة آنفا" فالتمس الرجل فأتي به فقال "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" .

                                                                                                                                                                                                                              روى البيهقي عن ابن عمر- رضي الله عنه- سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي البقاع خير ؟ قال : لا أدري ، قال : أي البقاع شر ؟ قال : لا أدري ، فأتاه جبريل فقال : "يا جبريل أي البقاع خير وأي البقاع شر ؟ " قال : لا أدري قال "سل ربك" فانتفض جبريل انتفاضة كاد النبي -صلى الله عليه وسلم- يصعق منها فقال : ما أسأله عن شيء فقال الله-عز وجل- لجبريل : سألك محمد أي البقاع خير فقلت : له لا أدري فأي البقاع شر فقلت : لا أدري فأخبره أن خير البقاع المساجد وأن شر البقاع الأسواق .

                                                                                                                                                                                                                              الثامنة والعشرون : وبزيادة الوعك عليه لزيادة الأجر له -صلى الله عليه وسلم- وسيأتي بيان ذلك في الوفاة .

                                                                                                                                                                                                                              التاسعة والعشرون : وبأن إبطه لم يعهد له شعر ولم يكن له رائحة كريهة لما تقدم في باب صفاته الحسية -صلى الله عليه وسلم- . [ ص: 471 ]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية