الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              التاسعة والعشرون : وبأن له تعزير من شاء بغير سبب يقتضيه ، ويكون له رحمة ، ذكره ابن القاص ، وتبعه الإمام والبيهقي ، ولا يلتفت إلى قول من أنكره .

                                                                                                                                                                                                                              روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : اللهم ، إني أتخذ عندك عهدا لا تخلفنيه فإنما أنا بشر ، فأي المؤمنين آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته ، فاجعلها له زكاة وصلاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت : دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجلان يكلمانه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما ، فلما خرجا قلت : يا رسول الله ، من أصاب من الخير شيئا مما أصابه هذان قال : "وما ذاك" ؟ قلت : لعنتهما وسببتهما قال : "أوما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت : اللهم ، إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها لها طهورا وزكاة ، وقربة تقربه بها يوم القيامة" .

                                                                                                                                                                                                                              قال النووي-رحمه الله تعالى- : هذه الأحاديث منبهة على ما كان عليه- عليه الصلاة والسلام- من الشفقة على أمته ، ومن الاعتناء بمصالحهم ، والاحتياط لهم ، والرغبة في كل ما ينفعهم ، وهذه الرواية الأخيرة تبين المراد من الروايات المطلقة ، وأنه يكون دعاؤه عليهم وسبه ولعنه ونحو ذلك ، رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك ، إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلما وإلا فقد دعا -صلى الله عليه وسلم- على الكفار والمنافقين ، ولم يكن رحمة لهم .

                                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : فكيف يدعو على من ليس بأهل للدعاء عليه ، أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن المراد ليس بأهل ، لذلك عند الله تعالى في باطن الأمر ، ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له -صلى الله عليه وسلم- استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ، ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك ، وهو -صلى الله عليه وسلم- مأمور بالحكم بالظاهر ، والله يتولى السرائر . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              وهذا الجواب ذكره المازري ، وهو مبني على قول من قال : إنه كان يجتهد في الأحكام ، ويحكم بما أدى إليه اجتهاده ، وأما من قال : لا يحكم إلا بالوحي ، فلا يتأتى فيه هذا الجواب . [ ص: 435 ]

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : أن ما وقع من سبه ودعائه ونحو ذلك ليس بمقصود ، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية ، كقوله لغير واحد "تربت يمينك" "وعقرى حلقى" ومثل "لا كبرت سنك" وفي حديث معاوية "ولا أشبع الله بطنك" ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء ، فخاف -صلى الله عليه وسلم- أن يصادف شيء من ذلك إجابة ، فسأل الله- سبحانه وتعالى- ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة ، وكفارة ، وقربة ، وطهورا ، وأجرا ، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ، ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه ، وقد قيل : ادع على دوس فقال : "اللهم ، اهد دوسا" ، وقال : "اللهم ، اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمون" .

                                                                                                                                                                                                                              وهذا ذكره أيضا المازري ، وأشار القاضي إلى ترجيحه ، وقال الحافظ : وهو حسن ، إلا أنه يرد عليه قوله في إحدى الروايات أو جلدته إذ يقع الجلد عن غير قصد ، وقد ساق الجميع مساقا واحدا ، إلا أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتجه .

                                                                                                                                                                                                                              الثلاثون : وبجواز الوصية لآله قطعا ، وهم بنو هاشم ، وبنو المطلب في الأصح ، وفي غير آله خلاف والصحيح الصحة ، وفي وجه : لا يصح لإبهام اللفظ وتردده بين القرابة وأهل الدين وغيرهما في الشرع .

                                                                                                                                                                                                                              فالخصوصية على وجه .

                                                                                                                                                                                                                              الحادية والثلاثون : وبجواز القبلة له وهو صائم من غير كراهة ، وفي حق غيره فيمن لم تتحرك شهوته ، وأما من حركت شهوته فحرام في حقه في الأصح .

                                                                                                                                                                                                                              قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يملك إربه .

                                                                                                                                                                                                                              الثانية والثلاثون : وبأن له أن يستثني في يمينه ولو بعد حين إذا كان ناسيا بخلاف غيره ، فإنه لا يستثني إلا في صلب يمينه .

                                                                                                                                                                                                                              روى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- في قوله تبارك وتعالى : واذكر ربك إذا نسيت [الكهف - 24] الاستثناء ، فاستثن إذا نسيت ، وهي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة .

                                                                                                                                                                                                                              الثالثة والثلاثون : قيل وبأنه كان يفجأ في طعامه ، ويؤكل منه معه بخلاف غيره للنهي عنه . ذكره ابن القاص والقضاعي ، ولم يوافقا على ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              روى البيهقي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أنه قال : أقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما من شعب الجبل ، وقد قضى حاجته ، وبين أيدينا تمر على ترس أو جفنة فدعوناه إليه فأكل معنا ، وما مس ماء" . [ ص: 436 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم والبيهقي عن قيس بن السكن ، أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله يوم عاشوراء ، وهو يأكل فقال : يا أبا محمد ، أدنه تأكل ، فقال : إني صائم ، قال : إنا كنا نصومه ثم ترك .

                                                                                                                                                                                                                              قال البيهقي : وفي هذا أخبار كثيرة وكل ذلك ينفي التخصيص ، والنهي لم يثبت والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                              الرابعة والثلاثون : وبأنه كان لا يجتنب الطيب في الإحرام ، ونهانا عنه لضعفنا عن ملك الشهوات ، إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه ، ذكره المهلب بن أبي صفرة المالكي ، وأبو الحسن بن القصار وغيرهما ، ورجحه القاضي أبو بكر بن العربي ، واستدلوا لذلك بقول عائشة- رضي الله تعالى عنهما- كما في الصحيح كنت أطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه حين يحرم ، ولحله حين يحل . وأجيب بأنه كان يفعل ذلك قبل الاغتسال للإحرام ، واستشكل بقول عائشة- رضي الله تعالى عنها- في الصحيح : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              قال الإسماعيلي : الوبيص الطيب زيادة على البريق ، والمراد به التلألؤ ، فإنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط .

                                                                                                                                                                                                                              الخامسة والثلاثون : قيل وبأن له أن لا يكفر عن يمينه . ذكره الزمخشري في كشافه ، في قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم - 2] ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هل كفر لذلك ؟ فنقل عن الحسن أنه لم يكفر ، لأنه كان مغفورا له ، وقيل : إنه كفر عن يمينه .

                                                                                                                                                                                                                              قال القرطبي : وهو الأصح ، وأن المراد بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              السادسة والثلاثون : وبأنه كان يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة ، لأنه منصبه المخصوص به ، فله أن يضعه حيث شاء واستدل لذلك بما رواه الشيخان أنه -صلى الله عليه وسلم- قال : "اللهم ، صل على آل أبي أوفى" ،

                                                                                                                                                                                                                              ويكره لغيره ، ذلك كما رجحه في الروضة ، وصححه أكثر المتأخرين كابن النقيب في مختصر الكفاية والدميري . وقيل : يحرم .

                                                                                                                                                                                                                              السابعة والثلاثون : قيل وبصلاته على الغائب . قاله جماعة من الحنفية والمالكية ، واستدلوا بأشياء ردها عليهم غيرهم ، وقد بسط ذلك الحافظ في الفتح .

                                                                                                                                                                                                                              الثامنة والثلاثون : وبإدخال العمرة على الحج . [ ص: 437 ]

                                                                                                                                                                                                                              التاسعة والثلاثون : قيل وبإباحة حمل الصغير في الصلاة ، نقله في الفتح عن بعضهم .

                                                                                                                                                                                                                              الأربعون : وبإقطاع الأراضي قبل فتحها ، لأن الله تعالى ملكه الأرض كلها . وأفتى الغزالي كما نقله عنه تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي في القانون بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم ، وقال : إنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقطع أرض الجنة ، فأرض الدنيا أولى .

                                                                                                                                                                                                                              الحادية والأربعون : وبأنه لو قال : لفلان على فلان كذا جاز لسامعه أن يشهد بذلك ، ذكره شريح الروياني في روضة الأحكام .

                                                                                                                                                                                                                              الثانية والأربعون : قيل وبأنه والأنبياء لا تجب عليهم الزكاة ، لأنه لا ملك لهم مع الله تعالى ، إنما كانوا يشهدون ما في أيديهم من ودائع الله تعالى يبذلونه في أوان بذله ، ويمنعونه في غير محله ، ولأن الزكاة إنما هي طهرة لما عساه أن يكون ممن أوجبت عليه ، والأنبياء مبرءون من الدنس لعصمتهم . قاله ابن عطاء الله في "التنوير في إسقاط التدبير" قلت : وبنى ذلك على مذهب إمامه مالك ، أن الأنبياء لا يملكون .

                                                                                                                                                                                                                              الثالثة والأربعون : وبأنه عقد المساقاة مع أهل خيبر إلى مدة مبهمة ، بقوله : "أقركم ما أقركم الله تعالى" لأنه كان يجوز مجيء الوحي بالنسخ ، ولا يكون ذلك لغيره . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              الرابعة والأربعون : وبالمن على الأسرى كما زعمه بعضهم .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية