الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[نصيحة رجاء لسليمان باستخلاف عمر بن عبد العزيز]

قال عبد الرحمن بن حسان الكناني: مات سليمان غازيا بدابق، فلما مرض... قال لرجاء بن حيوة: من لهذا الأمر بعدي، أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب.

قال: فابني الآخر؟ قال: صغير، قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز.

قال: أتخوف إخوتي لا يرضون؟ قال: فول عمر، ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتابا، وتختم عليه، وتدعوهم إلى بيعته مختوما، قال: لقد رأيت.

فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد، ودفعه إلى رجاء، وقال: اخرج إلى [ ص: 372 ] الناس، فليبايعوا على ما فيه مختوما، فخرج فقال: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب، قالوا: ومن فيه؟ قال: هو مختوم، لا تخبروا بمن فيه حتى يموت أمير المؤمنين.

قالوا: لا نبايع، فرجع إليه فأخبره، فقال: انطلق إلى صاحب الشرطة والحرس، فاجمع الناس ومرهم بالبيعة، فمن أبى... فاضرب عنقه، ففعل؛ فبايعوا.

قال رجاء: فبينا أنا راجع... إذا هشام، فقال لي: يا رجاء؛ قد علمت موقعك منا، وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئا ما أدري ما هو، وإني تخوفت أن يكون قد أزالها عني، فإن يكن قد عدلها عني... فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر؟

فقلت: سبحان الله!! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه؟! لا يكون ذا أبدا.

ثم لقيت عمر بن عبد العزيز، فقال لي: يا رجاء؛ إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل، أتخوف أن يكون قد جعلها إلي، ولست أقوم بهذا الشأن، فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حيا.

قلت: سبحان الله!! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا وأطلعك عليه؟!

ثم مات سليمان وفتح الكتاب؛ فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فتغيرت وجوه بني عبد الملك، فلما سمعوا: وبعده يزيد بن عبد الملك ... تراجعوا، فأتوا عمر، فسلموا عليه بالخلافة، فعقر به، فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه، فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه، فجلس طويلا لا يتكلم، فقال رجاء: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه؟ فبايعوه، ومد يده إليهم.

ثم قام، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس؛ إني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن [ ص: 373 ] إن هم أطاعوا كما أطعتم... فأنا واليكم، وإن هم أبوا... فلست لكم بوال.

ثم نزل، فأتاه صاحب المراكب، فقال: ما هذا؟ قال: مركب الخليفة، قال: لا حاجة لي فيه، ائتوني بدابتي، فأتوه بدابته وانطلق إلى منزله، ثم دعا بدواة وكتب بيده إلى عمال الأمصار.

قال رجاء: (كنت أظن أنه سيضعف؛ فلما رأيت صنعه في الكتاب... علمت أنه سيقوى).

التالي السابق


الخدمات العلمية