الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 441 ] [أول خطبة للمهدي بعد توليه الخلافة ]

ثم إن أباه عهد إليه ، فلما مات . . . بويع بالخلافة ، ووصل الخبر إليه ببغداد ، فخطب الناس فقال : (إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب ، وأمر فأطاع ، واغرورقت عيناه ، فقال : قد بكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند فراق الأحبة ، ولقد فارقت عظيما ، وقلدت جسيما ، فعند الله أحتسب أمير المؤمنين ، وبه أستعين على خلافة المسلمين .

أيها الناس; أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا . . . نهبكم العافية ، وتحمدوا العاقبة ، واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم ، وطوى الإصر عنكم ، وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك ، والله; لأفنين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم ) .

قال نفطويه : (لما حصلت الخزائن في يد المهدي . . . أخذ في رد المظالم ، فأخرج أكثر الذخائر ففرقها ، وبر أهله ومواليه ) .

وقال غيره : أول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه بأبيه : أبو دلامة فقال :


عيناي واحدة ترى مسرورة بأميرها جذلى وأخرى تذرف     تبكي وتضحك تارة ، ويسوؤها
ما أنكرت ويسرها ما تعرف     فيسوؤها موت الخليفة محرما
ويسرها أن قام هذا الأرأف     ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى
شعرا أسرحه وآخر أنتف     هلك الخليفة يا لدين محمد
وأتاكم من بعده من يخلف      [ ص: 442 ] أهدى لهذا الله فضل خلافة
ولذاك جنات النعيم تزخرف



وفي سنة تسع وخمسين : بايع المهدي بولاية العهد لموسى الهادي ، ثم من بعده لهارون الرشيد ولديه .

وفي سنة ستين : فتحت باربد من الهند عنوة .

وفيها : حج المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة : أنهم يخافون هدمها; لكثرة ما عليها من الأستار ، فأمر بها فجردت واقتصر على كسوة المهدي ، وحمل إلى المهدي الثلج إلى مكة ، قال الذهبي : (ولم يتهيأ ذلك لملك قط ) .

وفي سنة إحدى وستين أمر المهدي بعمارة طريق مكة ، وبنى بها قصورا وعمل البرك ، وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام ، وقصر المنابر ، وصيرها على مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي سنة ثلاث وستين وما بعدها : كثرت الفتوح بالروم .

وفي سنة ست وستين : تحول المهدي إلى قصر السلام ، وأمر فأقيم له البريد من المدينة النبوية ومن اليمن ومكة إلى الحضرة ، بغالا وإبلا ، قال الذهبي : (وهو أول ما عمل البريد من الحجاز إلى العراق ) .

[ ص: 443 ] وفيها وفيما بعدها : جد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم ، والبحث عنهم في الآفاق ، وقتل على التهمة .

وفي سنة سبع وستين : أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام ، وأدخل في ذلك دورا كثيرة .

وفي سنة تسع وستين : مات المهدي; ساق خلف صيد ، فاقتحم الصيد خربة ، وتبعه الفرس ، فدق ظهره في بابها ، فمات لوقته; وذلك لثمان بقين من المحرم ، وقيل : إنه مات مسموما ، وقال سلم الخاسر يرثيه :


وباكية على المهدي عبرى     كأن بها وما جنت جنونا
وقد خمشت محاسنها وأبدت     غدائرها وأظهرت القرونا
لئن بلي الخليفة بعد عز     لقد أبقى مساعي ما بلينا
سلام الله عدة كل يوم     على المهدي حين ثوى رهينا
تركنا الدين والدنيا جميعا     بحيث ثوى أمير المؤمنينا

التالي السابق


الخدمات العلمية