الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        الباب الثاني: حكم الوصية، وصيغتها

        وفيه فصلان:

        الفصل الأول: حكم الوصية .

        الفصل الثاني: صيغة الوصية.

        [ ص: 100 ] [ ص: 101 ] الفصل الأول: حكم الوصية

        المبحث الأول: حكمها من حيث العموم، وبيان أقسامها.

        المبحث الثاني: حكم الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين.

        المبحث الثالث: حكم الوصية إذا لم يوص بها الميت.

        المبحث الرابع: حكم قبول الوصية.

        المبحث الخامس: القدر المستحب أن يوصى به.

        [ ص: 102 ] وفيه مباحث:

        [ ص: 103 ] المبحث الأول: حكمها من حيث العموم، وبيان أقسامها

        الوصية تعتريها الأحكام الخمسة : الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، والفقهاء يختلفون في تعيين ما هو مكروه، وما هو واجب ومندوب، أو حرام أو مباح; بسبب اختلافهم في حكم الموصى به قبل الوصية به تارة، وبسبب ما يترتب على الوصية من مفاسد، ومصالح تارة أخرى؛ أخذا من قاعدة: الوسائل لها حكم المقاصد، فإن الوصية بالشيء أمر بفعله، ووسيلة لاقترافه.

        فإذا كان الموصى به حراما كانت الوصية به حراما، وإذا كان واجبا فالوصية به واجبا، وهكذا الوصية بالمندوب والمكروه، والمباح، تعطى حكم الموصى به بصفة عامة، فالوصية باعتبار حكمها التكليفي العام تنقسم إلى خمسة أقسام:

        القسم الأول: الوصية الواجبة، وهي كل وصية يترتب على تركها ضياع حق، وتحتها ثلاث حالات:

        الأولى: إذا كان على الإنسان دين من ديون الآدميين أو عنده حق من حقوقه؛ من ودائع، وعوار، ومغصوبات، ومسروقات، وقرض، ونحو ذلك، وقد اتفق الفقهاء على وجوب الوصية في هذه الحال، إلا أنهم اشترطوا لوجوبها شروطا:

        [ ص: 104 ] الشرط الأول: أن لا تكون لصاحب الحق بينة بحقوقه; لأنه في هذه الحالة يترتب على ترك الوصية ضياع الحق على صاحبه، بخلاف ما لو كان الحق ثابتا ببينة، فإنه لا يجب الإيصاء به للأمن من ضياعه على صاحبه.

        قال أبو ثور : "ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال القوم، فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه، فأما من لا دين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء".

        قال ابن المنذر : "وهذا حسن; لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها، ومن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس واجب عليه أن يوصي".

        وقيل: بوجوب الوصية، ولو كان الحق ثابتا ببينة.

        قال القرافي : "وإن كان عنده وديعة، أو قرض تقدم الإشهاد فيه، اختلف في الإشهاد واستحبابه، بناء على أن الأمر للوجوب أم لا".

        والأقرب: عدم الوجوب; لأن الوصية ليست واجبة لذاتها، وإنما هي وسيلة لإيصال الحقوق لأصحابها، فإذا أمكن ذلك بدونها فلا فائدة في إيجابها بعينها، للاستغناء عنها بالبينة الشرعية.

        وجاء في مغني المحتاج: "إذا لم يعلم بذلك من يثبت بقوله بخلاف ما إذا كان به من يثبت بقوله: فلا تجب الوصية به. قال الأذرعي : إذا لم يخش منهم كتمانه كالورثة والموصى لهم. اهـ.

        وهو حسن، وينبغي كما قال الإسنوي أنه يكتفى بالشاهد الواحد".

        [ ص: 105 ] الشرط الثاني: أن يكون المدين عاجزا عن تنجيز ما عليه من ديون، وما عنده من حقوق، فإن كان قادرا على ذلك في حياته وجب عليه تعجيل ذلك، وإيصاله الحقوق لأصحابها حالا، ولا تكفيه الوصية بذلك، وهو قول بعض المالكية .

        (20) لما رواه النسائي من طريق وبر بن أبي دليلة الطائفي ، عن محمد بن ميمون بن مسيكة -وأثنى عليه خيرا-، عن عمرو بن الشريد ، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" .

        [ ص: 106 ] قال ابن العربي فيمن قدر على قضائه دينه، وتركه ووصى به، ومات: فإن ذمته لا تبرأ بالوصية إذا فرط الولي في تنفيذها".

        الشرط الثالث: أن يخاف المدين ومن عنده حقوق لغيره الموت على نفسه [ ص: 107 ] قبل تنفيذ ما عليه من حقوق وديون، فإن كان لا يخاف على نفسه الموت، فللعلماء في ذلك قولان:

        القول الأول: وجوب الوصية.

        وهو قول المالكية ، وظاهر إطلاق الحنابلة .

        وحجته: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" ، فإنه شامل للصحيح، والمريض، ولمن يخشى على نفسه الموت; لعموم لفظ امرئ; لأنه نكرة في سياق النفي فتعم، ولأنه قد يفجؤه الموت، إلا أنها في المريض آكد.

        القول الثاني: عدم الوجوب.

        وهو المعتمد عند الشافعية .

        وحجته: عدم خوف الموت.

        والأقرب: القول الأول; لأنه قد يفجؤه الموت، إلا أنها في المريض آكد.

        الشرط الرابع: أن يكون الحق له بال مما جرت العادة بالإشهاد عليه، وأما اليسير التافه فلا تجب فيه الوصية; إذ لا يكلف بذلك; لما في ذلك من الحرج والمشقة المرفوعين بقوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج ، وبهذا يخص عموم "له شيء يوصي فيه".

        قال الباجي: "وأما ما يكون من يسير الديون التي تتكرر وتؤدى في كل [ ص: 108 ] يوم، وتزيد وتنقص، وتتجدد، فإن ذلك يشق فيها; لأنه كان يقتضي أن يجدد وصيته في كل يوم ومع الساعات".

        الحال الثانية: إذا كانت عليه حقوق الله تعالى من زكاة، أو كفارة، أو نذر، أو هدي، أو فدية، أو نحو ذلك، فقد اختلف الفقهاء في وجوب الوصية بها على قولين:

        القول الأول: وجوب الوصية .

        وهو قول جمهور العلماء; لما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما; إذ هو شامل لحق الله، وحق الآدميين.

        (21) ولما رواه البخاري من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" .

        ولأنه إذا وجبت الوصية بحق العبد كان وجوبها بحق الله أولى.

        ونص جمهور العلماء: أنه إذا كان قادرا على إخراجها، فيجب عليه التعجيل بها، ويؤيده حديث: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" فإنه لا فرق بين المطل بحقوق الله، وحقوق العباد، على أن المطل بحقوق الله راجع إلى المطل بحقوق العباد في حقيقة الأمر; لأنهم المستحقون لحقوق [ ص: 109 ] الله، وإليهم تدفع، فتأخيرها عن وقت وجوبها مطل بحقوق الله، وحقوق العباد معا، وللقاعدة الأصولية: أن الأوامر تجب على الفور.

        القول الثاني: عدم الوجوب.

        وبه قال بعض الحنفية

        قال في شرح الدرر: "كذا في المجتبى، وفيه تأمل لما في البدائع: الوصية بما عليه من الفرائض، والواجبات كالحج، والزكاة، والكفارات واجبة".

        ولعل حجتهم: من أن حقوق الله تعالى تسقط بالموت إذا لم يوص بها، كما سيأتي في باب الموصى إليه.

        قال ابن نجيم : "أما حقوق الله تعالى كالزكاة وصدقة الفطرة فتسقط بالموت".

        وهذا غير مسلم; إذ الأصل شغل الذمة.

        وعليه فيترجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم; لقوة دليله، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة.

        الحال الثالثة: إذا كان للإنسان دين على غيره، أو له حقوق عند غيره يخشى ضياعها على ورثته، فإنه يجب عليه الوصية بها؛ لحفظ مال الوارث، نص عليه المالكية .

        قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت

        (22) ولما رواه البخاري من طريق ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة ، فخرج معهما فتى من بني سهم ، [ ص: 110 ] فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاما مخوصا بالذهب..."

        ففيه مشروعية الوصية لحفظ المال.

        الحال الرابعة: الوصية للأقارب غير الوارثين لمن ترك خيرا كثيرا، وسيأتي تحرير هذه المسألة قريبا.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية