الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المبحث السابع: الشرط السابع: أن يكون الموصى له مسلما

        تحرير محل النزاع:

        أولا: في الوصية للكافر إذا أوصى إليه بصفته الشخصية، كأن يوصي لفلان أو فلانة، فإذا هما من أهل الكفر في الواقع، دون الإشارة في وصيته إلى صفتهما الكفرية .

        وأما إذا أوصى له بصفته كافرا، فإن الوصية تكون باطلة اتفاقا مطلقا، كان الموصي ذميا، أو حربيا، مثل الوصية لمن يرتد; لأن الوصية في هذه الحالة تكون وصية لجهة الكفر; لأن ترتيب الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق.

        قال الرملي : "أما لو قال: أوصيت لزيد الحربي أو الكافر أو المرتد لم يصح; لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، فكأنه قال: أوصيت لزيد لحرابته أو كفره أو ردته فتفسد الوصية; لأنه جعل الكفر حاملا على الوصية".

        ثانيا: لا تصح الوصية للذمي فيما لا يصح تمليكه، كالوصية له بالمصحف، ونحو ذلك.

        (178) لما روى مسلم من طريق نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو" .

        [ ص: 480 ] وفيه مطالب:

        المطلب الأول: الوصية للذمي

        وفيه مسألتان:

        المسألة الأولى: الوصية للذمي :

        اختلف العلماء فيما عدا ذلك في الوصية للذمي على قولين:

        القول الأول: الجواز.

        وبه قال جمهور العلماء.

        قال ابن حزم : "والوصية للذمي جائزة، ولا نعرف في هذا خلافا".

        وقال ابن قدامة : "وتصح وصية المسلم للذمي، والذمي للمسلم، والذمي للذمي ، روي إجازة المسلم للذمي عن شريح والشعبي والثوري والشافعي وإسحاق ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم".

        وعند المالكية : مع الكراهة.

        القول الثاني: الجواز إذا كان على وجه الصلة، كما لو كان أبوه كافرا.

        وبه قال ابن قاسم .

        [ ص: 481 ] القول الثالث: يجوز إذا كان هناك سبب، كجوار أو مكافئة ونحو ذلك.

        وبه قال أشهب من المالكية .

        الأدلة:

        أدلة القول الأول:

        استدل القائلون بصحة الوصية للذمي بما يلي:

        1 - قول الله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا

        وجه الدلالة: أن الله تعالى امتدح الأبرار على إطعامهم الطعام للأسير، والأسير في ذلك الوقت لم يكن إلا مشركا كافرا، فدل ذلك على جواز الصدقة على الكافر، ومن ذلك الوصية له.

        قال الحسن البصري : "ما كان أسراهم إلا المشركين" .

        ويقول ابن جرير : "والصواب من القول في ذلك أن يقال: أن الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يطعمون الأسير، والأسير قد وصفت صفته، واسم الأسير قد يشتمل على الفريقين، وقد عم الخبر عنهم أنهم يطعمونهم، فالخبر على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له" إلى أن قال: "وكذلك الأسير معني به أسير المشركين والمسلمين يومئذ، وبعد ذلك إلى قيام الساعة".

        2 - قول الله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم

        [ ص: 482 ] وجه الدلالة: أن الله تعالى أطلق لفظ (الفقراء) فلم يفرق بين فقير وفقير، فدل على جواز صرف الصدقة إليهم، ومن ذلك الوصية.

        3 - قول الله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين

        وجه الدلالة:

        قال أبو بكر الجصاص : "قوله: أن تبروهم وتقسطوا إليهم عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة; إذ ليسوا هم من أهل قتالنا".

        وقال ابن الجوزي : "قال المفسرون: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، وجواز برهم، وإن كانت الموالاة منقطعة منهم".

        وقال ابن كثير : "أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم".

        وعلى هذا يكون وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى صرح بأنه لا يحرم علينا البر والإحسان إلى الكفار الذين لم يناصبونا الحرب، ولا ينهانا عن ذلك، بل يجيزه لنا، ويحبه منا، ومن البر والإحسان الصدقة عليهم.

        يقول الكاساني : "صرف الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم، وما نهينا عن ذلك" ثم استدل بالآية.

        [ ص: 483 ] 4 - قول الله تعالى: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون

        سبب نزول الآية:

        (179) ما رواه النسائي من طريق جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم من المشركين، فسألوا، فرضخ لهم، فنزلت هذه الآية" .

        فالمسلمون كانوا يكرهون أن يتصدقوا على أقاربهم من المشركين ليدخلوا في الإسلام حاجة إليها، فنزلت الآية لبيان حصول الثواب".

        5 - عموم قوله تعالى: الوصية للوالدين والأقربين فإنها تشمل الوالدين والأقربين الكافرين.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأنها خاصة بذوي الرحم، فلا يصح الاحتجاج بها في غيرهم.

        وأجيب: بأنها تشمل الذمي من ذوي الأرحام.

        [ ص: 484 ] 6 - قوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين فإنها صادقة بالوصية للكافر والمسلم.

        ونوقش الاستدلال: بقوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أو دين جاءت في سياق الميراث؛ لبيان وجوب تقديم الوصية على الإرث، ولم تسق لبيان من يوصى له، ومن لا يوصى له، وقد قال كثير من الأصوليين في العام والمطلق: إنه لا يصح الاحتجاج بهما في غير ما سيقا له، وكما يمكن أن يقال: أن إطلاقهما مقيد بما دلت عليه أدلة من منع الوصية للذمي.

        7 - قوله تعالى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا

        قال ابن الحنفية ، وعطاء ، وقتادة : "هي وصية المسلم لليهودي والنصراني".

        ونوقش الاستدلال بهذه الآية من وجهين:

        الأول: أنها خاصة بالأولياء والأقارب، فلا تشمل الأجانب.

        الثاني: أنها لا تشمل الكافر أصلا؛ لقوله تعالى: إلى أوليائكم ولا ولاية بين مسلم وكافر بنص القرآن: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان

        [ ص: 485 ] ولهذا قال مجاهد وزيد وغيرهما: أن المراد بالأولياء خصوص المؤمنين، وعلق عليه القرطبي بأن لفظ الآية يعضد هذا المذهب.

        8 - قوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم

        فهذا عام في الأقارب والأجانب، وإن كان سبب النزول خاصا في الأقارب، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذه الآية منسوخة بآية السيف: وقاتلوا المشركين ، وقال آخرون: "هي مخصوصة في حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تشمل غيرهم".

        وقال آخرون: "هذا الحكم كان لعله صلحا، فلما زال الصلح زال معه هذا الحكم ونسخ".

        وأجيب: بأن هذه الأقوال تحتاج إلى دليل.

        9 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في محل كبد رطبة أجر" .

        ونوقش هذا الاستدلال: بأن الأخذ بعمومه يقتضي جواز الوصية للحربي، والمرتد، وهم لا يقولون بذلك فيجب تخصيصه.

        وأجيب: بأنه يخصص بما دل عليه الدليل، ويبقى ما عداه على عمومه.

        (180) 10 - ما رواه سعيد بن منصور قال: حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن عكرمة : "أن صفية بنت حيي باعت حجرتها من معاوية بمائة ألف، وكان [ ص: 486 ] لها أخ يهودي، فعرضت عليه أن يسلم فيرث، فأبى فأوصت له بثلث المائة " .

        ونوقش هذا الاستدلال: بأنه في الذمي القريب، فلا يصح الاستدلال به على العموم، ولا يصح قياس الأجنبي على القريب; لوجود الفرق بينهما، وهو الرحم المأمور بصلتها.

        11 - ما يأتي من الأدلة على صحة الوصية للكافر الحربي، فالذمي من باب أولى.

        12 - قياس الوصية على الهبة بجامع أن كلا تبرع بمال...، فإذا جازت الهبة له في الحياة جازت الوصية له بعد الوفاة.

        ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:

        الأول: أنه قياس على مختلف فيه، فإن العطية للكافر مختلف في جوازها بين العلماء، ولا يصح القياس على مختلف فيه.

        [ ص: 487 ] الثاني: هو قياس مع وجود الفارق; فإن العطية في الحياة فيها صلة الرحم، بينما الوصية عطية بعد الموت لا يبعد أن يقال بعدمها للكافر; لأن الله تعالى يقول: وصاحبهما في الدنيا معروفا ، والوصية معروفة بعد فراق الدنيا.

        ودليل الكراهة: إيثار الذمي على المسلم.

        ودليل القول الثاني، والثالث: (أنه لا يوصى للذمي إلا لسبب من صلة ونحوها):

        1 - قوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم

        والوصية نوع من المودة، أو تدعو إليها، والنهي عن الشيء نهي عن سببه.

        إلا أن القرافي فرق بين بر أهل الكفر، وبين المودة.

        (181) 2 - ما رواه أحمد من طريق الوليد بن قيس التجيبي أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري ، أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" .

        [ ص: 488 ] (182) 3 - ما رواه مسلم من طريق سهيل ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطروه إلى أضيقه" .

        وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بدئهم بالسلام فكيف يجوز بدؤهم بالهدية والوصايا؟ وقد علل العلماء النهي عن بدئهم بالسلام بما في ذلك من الإشعار بتعظيمهم، وهذا جار في الوصية إليهم، فإن تخصيصهم بالمال بدون مقابل أكثر تعظيما، وتقديرا من مجرد البدء بالتحية عند اللقاء.

        (183) 4 - ما رواه الترمذي من طريق خالد بن طهمان أبي العلاء قال: حدثنا حصين ، قال: جاء سائل فسأل ابن عباس ، فقال ابن عباس للسائل: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: وتصوم رمضان؟ قال: نعم. قال: سألت وللسائل حق، إنه لحق علينا أن نصلك، فأعطاه ثوبا .

        [ ص: 489 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية