الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : وإن ترك المبيت ليلة من ليالي منى فعليه مد ، وإن ترك ليلتين فعليه مدان ، وإن ترك ثلاث ليال فدم ، والدم شاة يذبحها لمساكين الحرم ولا [ ص: 205 ] رخصة في ترك المبيت بمنى إلا لرعاء الإبل وأهل سقاية العباس دون غيرهم ، ولا رخصة فيها إلا لمن ولي القيام عليها منهم ، وسواء من استعمل عليها منهم أو من غيرهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لأهل السقاية من أهل بيته أن يبيتوا بمكة ليالي منى " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : أما المبيت بمنى في ليالي منى فسنة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بها وأرخص للرعاة ، وأهل السقاية في التأخر عنها ، فدل على أن من لم يرخص له في التأخير محظور عليه التأخير عنها ، وإذا كان كذلك فلا يجوز ترك المبيت بمنى إلا لمن أرخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك المبيت بها وهما طائفتان :

                                                                                                                                            أحدهما : رعاة الإبل ، والطائفة الثانية أهل سقاية العباس ، قال الشافعي : دون غيرهم من السقايات ، وسواء من ولي القيام عليها منهم أو من غيرهم .

                                                                                                                                            وقال مالك : الرخصة لمن ولي عليها من بني العباس دون غيرهم ، وهذا خطأ : لأن الرخصة إنما كانت لاشتغالهم بإصلاح الشراب ، وإسقاء الماء معونة للحاج ، وإرفاقهم له فكان غيرهم ممن ولي ذلك في معناهم ، فأما أصحاب الأعذار من غير هؤلاء الطائفتين كالخائف والمريض والمقيم على حفظ ماله فعلى وجهين مضيا ، فإذا ثبت هذا فكل من جاز له ترك المبيت بمنى ممن ذكرنا جاز له ترك الرمي في اليوم الأول من أيام منى ، فإذا كان في اليوم الثاني أتى منى عن أمسه ، ثم عن يومه وأفاض منها في يومه مع النفر الأول .

                                                                                                                                            فأما غير من ذكرنا من أهل الأعذار فلا يجوز لهم ترك المبيت بها في الليلة الثالثة ، إن أفاضوا من النفر الأول ، فأما من ترك المبيت في الليلة الأولى ولا في الليلة الثانية ، ويجوز ترك المبيت بها في الليلة الأولى ، وبات في الليلة الثانية لم يجز أن يفيض في النفر الأول ، ولزمه أن يبيت في الليلة الثالثة ؛ لأن من بات في الليلة الأولى والثانية جاز أن يفيض في النفر الأول ويدع المبيت في الليلة الثالثة ؛ لأنه قد أتى بأكثر النسك ومعظمه فرخص له في ترك الأقل ، ومن بات في الليلة الثانية دون الأولى فقد أتى بأقل النسك فلم يجز أن يرخص له في ترك الأكثر ، وإذا بات أكثر ليله بمنى أجزاه أن يخرج أول ليله أو آخره عن منى .

                                                                                                                                            قال الشافعي : ولو شغله طواف الإفاضة حتى يكون ليله أو أكثره بمكة لم يكن عليه فدية من قبل إن كان لازما له من عمل الحج ، وإنه كان له أن يعمله في ذلك الوقت ، وإنه لو كان عمله تطوعا اقتداء ، قال الشافعي في القديم : واستحب للإنسان أن ينزل بمنى في الخيف الأيمن منه ؛ لأنه منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية